فإذا لم يكن الجهاد فرضًا على الأمة لعدم قدرتها على أدائه، فهذا لا يعني أن خيار أمة الجهاد هو الركون إلى الراحة والجنوح إلى الدعة، بل يصبح الإعداد -الذي به تحصل القدرة- فرض عين في حقها كما قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- [وكما يجب الاستعداد للجهاد بإعداد القوة ورباط الخيل في وقت سقوطه للعجز فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب] وقد ذكرناه من قبل.
وأمر الإعداد ليس بالتعقيد الذي يظنه الكثيرون، وإمكانية القيام به أيسر مما يُتوقع، ومجالاته متنوعة وكثيرة، ولا يعجز المسلم عن أن يكون له في بعضها نصيب، وبفضل الله تعالى فإن حالة الأمة اليوم أفضل بكثير مما كانت عليه قبل سنوات، سواء من جهة عدد المجاهدين، أو من جهة كثرة ساحات الجهات المفتوحة والتي شملت الأطراف والوسط [الجزائر، وأفغانستان، والشيشان، والعراق، والصومال، وفلسطين] ، أو من جهة ما لديهم من الإمكانات العسكرية، وطرق ووسائل التدريب المختلفة، وهذا الخير العميم لم يأت نتيجة"الدعوة بالحسنى"فقط، ولا بتجنب الصدامات، وإنما جاء بعد توفيق الله، بجهود مضنية، وعمل دؤوب، وتضحيات باهظة، حتى من الله عز وجل على المجاهدين بما منَّ، وأكرمهم بما أكرمهم وهو من سبل الخير التي هداهم إليها كما قال عز وجل: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت/69] ، وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَاتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [المائدة/54]
والأمر لا يحتاج إلا إلى توكل على الله أولًا ثم إلى همة وعزيمة وإصرار وصدق إرادة ثانيًا، ولنأخذ العبرة من بعض ساحات الجهاد التي يخوض فيها المجاهدون أشرس الحروب مع أخبث أعدائها، فالمجاهدون في فلسطين حينما بدأوا الانتفاضة لم يكن لديهم من السلاح إلا الحجر -والحجر قليل- ثم لم يزالوا يتطورون شيئًا فشيئًا إلى المقلاع، إلى السكاكين والحراب، إلى البنادق، إلى العمليات الاستشهادية، إلى صورايخ القسام وغيرها، مصداقًا لقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت/69] .