الصفحة 83 من 87

الخامس: لو سلمنا أن الأمة في حالة ضعف وعجز وشلل يُسقط عنها وجوب الجهاد، فإن هذا لا يلزم منه سقوط جوازه لمن أراد أن يحمل عليه نفسه، سواء بالفعل، أو بالقول، بل هو -إن شاء الله- مثابٌ عليه، حتى ولو لم يكن له غرض سوى الشهادة في سبيل الله تعالى، فكيف إذا ضم إلى ذلك تجرئة المسلمين على أعدائهم، وإظهار قوة الإيمان ورسوخ العقيدة في قلوب أهل الإسلام، والتأكيد على رفض هذا الباطل المتمثل في أنظمة الطغيان وأن لا شرعية له مهما استعلى وانتفش، فكل هذه المعاني يمكن تحصيلها بمجرد أفعال فردية قد يقوم بها بعض أبطال الإسلام، لا سيما إذا كانت كلمة حق يصدع بها عالمٌ من العلماء في وجه الباطل.

وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَاسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَاسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا} [النساء/84]

قال الإمام ابن عطية -رحمه الله-: [هذا أمر في ظاهر اللفظ للنبي عليه السلام وحده، لكن لم نجد قط في خبر أن القتال فرض على النبي صلى الله عليه وسلم دون الأمة مدة ما، المعنى - والله أعلم - أنه خطاب للنبي عليه السلام في اللفظ، وهو مثال ما يقال لكل واحد في خاصة نفسه، أي أنت يا محمد وكل واحد من أمتك القول له: (قاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك) ولهذا ينبغي لكل مؤمن أن يستشعر أن يجاهد ولو وحده، ومن ذلك قول النبي عليه السلام «والله لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتي» وقول أبي بكر وقت الردة: «ولو خالفتني يميني لجاهدتها بشمالي» ] (المحرر الوجيز: 2/ 164) .

وقد روى الطبري بسنده عن أبي إسحاق قال قلت للبراء بن عازب: [يا أبا عمارة الرجل يلقى ألفا من العدو فيحمل عليهم وإنما هو وحده أيكون ممن قال: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) ، فقال: لا ليقاتلْ حتى يقتل، قال الله لنبيه: (فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك) ] (تفسير الطبري: 2/ 203) .

وهذا عبد الله بن رواحة - وهو أحد القادة الذين اختارهم رسول الله صلى الله عليه وسلم - يقف يوم مؤتة خطيبًا في جيش قوامه ثلاثة آلف مقاتل ليواجه جيشًا عرمرمًا تعداده مائتا ألف مقاتل، ويقول لهم: [إن الذي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة وما نقاتل بعدد ولا قوة ولا نقاتل إلاَّ لهذا الدين فانطلِقوا فإحدى الحسنيين إما ظهور وإما شهادة] وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك كله ولم ينكر ولم يشنع ولم يقل لهم ألقيتم بأيديكم إلى التهلكة، ولم يؤاخذهم أن كانوا قلة فاقتحموا -مع قلتهم- ذلك البحر الضخم من جيش الروم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت