وقد ذكرنا من قبل قصة عبد الله بن أم مكتوم وأبي طلحة رضي الله عنهما والقصص في ذلك كثيرة.
والمقصود أن سقوط واجب الجهاد لا يعني سقوط جوازه، لا سيما قول كلمة الحق من العلماء الربانيين، فإن هذا من أعظم أسباب إحياء الأمة وتجرئتها على عدوها، ورفع العجز والضعف عنها، ولهذا استحق صاحب تلك الكلمة أن يكون من سادات الشهداء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: [سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله.] رواه الترمذي والحاكم عن جابر رضي الله عنه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: [أفضل الجهاد من قال كلمة حق عند سلطان جائر] رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه، وقال شيخ الإسلام رحمه الله: [ومن تكلم بحق عند سلطان جائر فإن ذلك قتل مجاهدًا ففي قتله مصلحة لدين الله تعالى] (الفتاوى الكبرى: 26/ 182) .
السادس: حينما نقول إن الاستطاعة التي يحصل بها وجوب الجهاد مفقودة، فلا بد أيضًا أن نبحث عن أسباب انعدام هذه الاستطاعة، لا أن نذكرها ونركن إليها ونمر عليها مرورًا عابرًا، لأن الأمة في الأصل هي أمة جهاد وإعداد وقدرة وتهيؤ للقتال في كل حين، فما الذي أخرجها من هذه الحال إلى ما هي عليه اليوم من الضعف والعجز حتى سقط عنها وجوب الجهاد.
فإذا كان سبب هذا الاستضعاف كسبيًا ناتجًا عن تقصير الأمة في تكاليف شرعية، كان يجب عليها أن تقوم بها وتعتني بأدائها فقصرت وفرطت وضيعت فإن هذا يراكم عليها الواجبات، ويضاعف عليها التكاليف، ولا يسقطها عنها، وأما إذا كان ناتجًا عن أمر قهري كوني لا يد لها فيه ولا طاقة عندها بإزالته، فعندها تكون معذورة في عدم جهادها.
والشيخ عبد القادر نفسه قد قرر أن أمة الإسلام هي أمة جهاد، وأن الأصل في علاقتها مع الأمم السابقة هي علاقة قتال وحرب لا علاقة صلح وسلم، ولا يستثنى من ذلك إلا حالة العجز والاضطرار فكان مما قاله في كتابه العمدة: [ولا يمنع المسلمين من الجهاد إلا العجز، ويجب الإعداد حينئذ.