الصفحة 85 من 87

وذلك لقوله تعالى: {فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ} ، فما دامت بالمسلمين قوة وكانوا أعلى من عدوهم فلا سِلْم ولا هدنة ولا صلح، بل القتال حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله. وذلك لأن آخر ما نزل في الجهاد هو قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ، فهذه الآية وآية الجزية بنفس الصورة أمر بالقتال العام، وهو من أواخر ما أنزل من القرآن، فلا ناسخ له، روى البخاري عن البراء رضي الله عنه قال: (آخر سورة نزلت براءة) وهكذا فَعَل النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده في قتال المشركين وأهل الكتاب كما يأتي في الفقرة (13) ، ولا يمنع من هذا إلا العجز ولذلك ترى الكافرين يجتهدون في منع المسلمين من حيازة السلام، كما قال تعالى: {وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً} . وقد كررت في هذه الرسالة أنه إذا منع من الجهاد عجزٌ وَجَب الاستعداد، للآية {وَأَعِدُّوا لَهُمْ} ، وهكذا قال ابن تيمية رحمه الله.

مما سبق تعلم أن الأصل في العلاقة بين المسلمين والكافرين هو القتال وأن الاستثناء منه هو السلم في صورة هدنة أو صلح وأنه لا يلجأ إلى هذا الاستثناء إلا لضرورة من عجز ونحوه، وذلك لقوله تعالى: {فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ} ] (العمدة: 371) .ومن المعلوم فإن أبرز مظاهر الاستضعاف الذي تعيشه الأمة

أولها: التفرق والتشرذم والاختلاف الذي مزق أوصالها وقطع جسدها الواحد، مع أن الله سبحانه وتعالى قد أمر بالائتلاف ونهى عن الاختلاف، في مواطن عدة من كتابه، وكذلك نبيه صلى الله عليه وسلم، فما تعيشه الأمة اليوم من التنازع هو مخالفٌ للأمر الشرعي الذي يجب عليها أن تجتهد في أدائه، وتسعى بكل وسيلة لإقامته، حتى يزيل عنها شيئا من الاستضعاف الذي تتقلب فيه، وإلا فإنها سبتقى آثمة من جهة حصول العجز المتولد عن تفرقها، ومن جهة عدم جهادها لعجزها قال الله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال/46]

ومن أعظم أسباب اتفاق الأمة، وإزالة تفرقها الجهاد في سبيل الله تعالى، ولهذا فكلما تخلت الأمة عنه، وهجرت ساحاته دب بينها الخلاف، وسرى في أوصالها التنازع، فلا يكاد يرفع تفرقها إلا بالجهاد ولا يؤتي الجهاد ثمرته الكاملة إلا بالاتفاق فهما أمران في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت