ورغم ما وقع من أسامة رضي الله عنه في هذه الحادثة فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمَّره على جيش فيه خيار الصحابة، وتوفي صلى الله عليه وسلم بعدما عقد له اللواء وأنفذ جيشه من بعده خليفته أبو بكر الصديق رضي الله عنه.
ونظائر هذه القصص التي وقع فيها الخطأ من الصحابة رضي الله عنهم أثناء جهادهم في حوادث متنوعة وعلى درجات متفاوتة وفترات متعددة كثيرةٌ ومعلومةٌ، وليس المقصود إحصاءها ولا استقصاءها وإنما الإشارة فقط إلى أن الأخطاء في الجهاد لا يمكن أن تسلم منها ساحة ولا أن ينفك عنها زمن، ولا نعني بذلك أيضًا تبرير الأخطاء ولا إقراراها حينما تقع والتهاون في تصحيحها والمناصحة في تلافيها وتفاديها، ولكن لا يُقبَل أن تُجعل متكأ يستند إليه كل من أراد تعطيل الجهاد والفرار من ساحاته والتنصل من تبعاته بحجة أنها مليئة بالأخطاء وأن المجاهدين هم جهلة أغرار.
المقدمة السادسة: صاحب الوثيقة قد نقل عنه الناشرون قوله إنه ليس (عالمًا ولا مفتيًا ولا مجتهدًا في الشريعة) ، ومع ذلك فقد ملأها بالأحكام الشرعية والتي تنص على"يجوز"، و"لا يجوز"، وهذا حرامٌ وهذا حلال، وقد سفه قادة المجاهدين لا سيما في لقائه مع جريدة الحياة حيث وصف قادتهم بأنهم"فسقة غدرة"وغير ذلك من الأوصاف الشنيعة التي لا تليق إلا بالعصابات الدنيئة التي كانت تشرف على"تدوين وإخراج ونشر"وثيقة التعبيد، والتي اعتادت ألسنتها السب والشتم والعبَّ من بِركته الآسنة عبًّا.
إذًا فليقل لنا إن لم يكن عالما ولا مفتيا ولا مجتهدًا فبأي وجه شرعي سوَّغ لنفسه أن يُطلق تلك الأوصاف على أشخاص معينين وعلى وقائع محددة، ومعلومٌ أن التفسيق كالتكفير لا يُنزَّل على المعين إلا بعد تبين الشروط وانتفاء الموانع كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: [وإنما المقصود هنا أن ما ثبت قبحه من البدع وغير البدع من المنهي عنه في الكتاب والسنة، أو المخالف للكتاب والسنة، إذا صدر عن شخص من الأشخاص فقد يكون على وجه يعذر فيه، إما لاجتهاد أو تقليد يعذر فيه، وإما لعدم قدرته كما قد قررته في غير هذا الموضع، وقررته أيضا في أصل التكفير والتفسيق المبني على أصل الوعيد، فإن نصوص الوعيد التى في الكتاب والسنة ونصوص الأئمة بالتكفير والتفسيق ونحو ذلك، لا يستلزم ثبوت موجبها في حق المعين إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع، لا فرق في ذلك بين الأصول والفروع، هذا في عذاب الآخرة فإن المستحق للوعيد من عذاب الله ولعنته وغضبه في الدار الآخرة خالد في النار أو غير خالد، وأسماء هذا الضرب من الكفر والفسق يدخل في هذه القاعدة سواء كان بسبب بدعة اعتقادية، أو عبادية، أو