فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 177

لمّا كانت حقيقة الملك أنّه الاجتماع الضّروريّ للبشر ومقتضاه التّغلّب والقهر اللّذان هما من آثار الغضب والحيوانيّة كانت أحكام صاحبه في الغالب جائرة عن الحقّ مجحفة بمن تحت يده من الخلق في أحوال دنياهم لحملة إيّاهم في الغالب على ما ليس في طوقهم من أغراضه وشهواته ويختلف ذلك باختلاف

المقاصد من الخلف والسّلف منهم فتعسر طاعته لذلك وتجيء العصبيّة المفضية إلى الهرج والقتل فوجب أن يرجع في ذلك إلى قوانين سياسيّة مفروضة يسلّمها الكافّة وينقادون إلى أحكامها كما كان ذلك للفرس وغيرهم من الأمم وإذا خلت الدّولة من مثل هذه السّياسة لم يستتبّ أمرها ولم يتمّ استيلاؤها «سنّة الله في الّذين خلوا من قبل» . فإذا كانت هذه القوانين مفروضة من العقلاء وأكابر الدّولة وبصرائها كانت سياسة عقليّة وإذا كانت مفروضة من الله بشارع يقرّرها ويشرّعها كانت سياسة دينيّة نافعة في الحياة الدّنيا وفي الآخرة وذلك أنّ الخلق ليس المقصود بهم دنياهم فقط فإنّها كلّها عبث وباطل إذ غايتها الموت والفناء، والله يقول «أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا 23: 115» فالمقصود بهم إنّما هو دينهم المفضي بهم إلى السّعادة في آخرتهم «صِراطِ الله الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وَما في الْأَرْضِ 42: 53» فجاءت الشّرائع بحملهم على ذلك في جميع أحوالهم من عبادة ومعاملة حتّى في الملك الّذي هو طبيعيّ للاجتماع الإنسانيّ فأجرته على منهاج الدّين ليكون الكلّ محوطا بنظر الشّارع. فما كان منه بمقتضى القهر والتّغلّب وإهمال القوّة العصبيّة في مرعاها فجور وعدوان ومذموم عنده كما هو مقتضى الحكمة السّياسيّة وما كان منه بمقتضى السّياسة وأحكامها فمذموم أيضا لأنّه نظر بغير نور الله «وَمن لَمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُورًا فَما لَهُ من نُورٍ 24: 40» لأنّ الشّارع أعلم بمصالح الكافّة فيما هو مغيّب عنهم من أمور آخرتهم وأعمال البشر كلّها عائدة عليهم في معادهم من ملك أو غيره قال صلّى الله عليه وسلّم «إنّما هي أعمالكم تردّ عليكم» وأحكام السّياسة إنّما تطلع على مصالح الدّنيا فقط «يَعْلَمُونَ ظاهِرًا من الْحَياةِ الدُّنْيا 30: 7» ، ومقصود الشّارع بالنّاس صلاح آخرتهم فوجب بمقتضى الشّرائع حمل الكافّة على الأحكام الشّرعيّة في أحوال دنياهم وآخرتهم وكان هذا الحكم لأهل الشّريعة وهم الأنبياء ومن قام فيه مقامهم وهم الخلفاء فقد تبيّن لك من ذلك معنى الخلافة وأنّ الملك الطّبيعيّ هو حمل الكافّة على مقتضى الغرض والشّهوة والسّياسيّ هو حمل الكافّة على مقتضى النّظر العقليّ في جلب المصالح الدّنيويّة ودفع المضارّ والخلافة هي حمل الكافّة على مقتضى النّظر الشّرعي في مصالحهم الأخرويّة والدّنيويّة الرّاجعة إليها إذ أحوال الدّنيا ترجع كلّها عند الشّارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشّرع في حراسة الدّين وسياسة الدّنيا به فافهم ذلك واعتبره فيما نورده عليك من بعد والله الحكيم العليم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت