اعلم أنّه ممّا أضرّ بالنّاس في تحصيل العلم والوقوف على غاياته كثرة التّآليف واختلاف الاصطلاحات في التّعاليم وتعدّد طرقها ثمّ مطالبة المتعلّم والتّلميذ باستحضار ذلك. وحينئذ يسلّم له منصب التّحصيل فيحتاج المتعلّم إلى حفظها كلّها أو أكثرها ومراعاة طرقها. ولا يفي عمره بما كتب في صناعة واحدة إذا تجرّد لها فيقع القصور ولا بدّ دون رتبة التّحصيل. ويمثّل ذلك من شأن الفقه في المذهب المالكيّ بالكتب المدوّنة مثلا وما كتب عليها من الشّروحات الفقهيّة مثل كتاب ابن يونس واللّخميّ وابن بشير والتّنبيهات والمقدّمات والبيان والتّحصيل على العتبيّة وكذلك كتاب ابن الحاجب وما كتب عليه. ثمّ إنّه يحتاج إلى تمييز الطّريقة القيروانيّة من القرطبيّة والبغداديّة والمصريّة وطرق المتأخّرين عنهم والإحاطة بذلك كلّه وحينئذ يسلّم له منصب الفتيا وهي كلّها متكرّرة والمعنى واحد. والمتعلّم مطالب باستحضار جميعها وتمييز ما بينها والعمر ينقضي في واحد منها.