وقد كتب ابن القيم ـ رحمه الله ـ جزءًا كبيرًا في كتابه الماتع"عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين"ناقش فيه هذه المسألة باستفاضة ، وبين كثر ة النزاع فيها بين الأغنياء والفقراء ، واحتجاج كل طائفة على الأخرى بما لم يمكنها دفعه من الكتاب والسنة والآثار والاعتبار ؛ وفصل الخطاب ما حكاه عن شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في هذه المسألة ، بأنَّه ليس لأحدهما على الأخرى فضيلة إلا بالتقوى ، فأيهما أعظم إيمانا وتقوى كان أفضل ، فإن استويا في ذلك استويا في الفضيلة ….. لأن نصوص الكتاب والسنة إنما تفضل بالإيمان والتقوى وقد قال تعالى:"إن يكن غنيا أو فقيرًا فالله أولى بهما"وقد كان في الأنبياء والسابقين الأولين من الأغنياء من هو أفضل من أكثر الفقراء ، وكان فيهم من الفقراء من هو أفضل من أكثر الأغنياء ، والكاملون يقومون بالمقامين فيقومون بالشكر والصبر على التمام كحال نبينا وحال أبى بكر وعمر رضى الله عنهما ، ولكن قد يكون الفقر لبعض الناس أنفع ، والغنى لآخرين أنفع ، كما تكون الصحة لبعضهم أنفع والمرض لبعضهم أنفع ، كما في الحديث الذى رواه البغوى وغيره عن النبى فيما يروى عن ربه تبارك وتعالى"إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك ، وإنَّ من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك ، وإنَّ من عبادي من لا يصلحه إلا الصحة ولو أسقمته لأفسده ذلك ، وإنَّ من عبادي من لا يصلحه إلا السقم ولو أصححته لأفسده ذلك ، إنِّي أدبر عبادي إني بهم خبير بصير"
وقد صح عن النبي أنه قال:"إن فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل الأغنياء"
وفى الحديث الآخر لما علم الفقراء الذكر عقب الصلاة سمع بذلك الأغنياء ، فقالوا مثل ما قالوا ، فذكر ذلك الفقراء للنبي فقال:"ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء"