الصفحة 12 من 18

فالفقراء يتقدمون في دخول الجنة لخفة الحساب عليهم ، والأغنياء يؤخرون لأجل الحساب عليهم ، ثم إذا حوسب أحدهم فإن كانت حسناته أعظم من حسنات الفقير كانت درجته في الجنة فوقه وإن تأخر في الدخول ، كما أن السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ـ ومنهم عكاشه بن محصن ـ قد يدخل الجنة بحساب من يكون أفضل من أحدهم في الدرجات ، لكن أولئك استراحوا من تعب الحساب .

نخلص من هذا أنَّ العبرة ليست بالفقر ولا بالغنى ، فهذا أو ذاك لا يغني عنك من الله شيئًا إلا إذا كان سببًا في زيادة الإيمان والتقوى ، فهذا هو المقياس والمعيار المعتبر عند رب العالمين ، فالمهم هو"الرضا"عن الله ، وعدم التسخط عند المنع وعدم البطر عن العطية .

قال الحرالي: من كان رضاه من الدنيا سد جوعته ، وستر عورته ، لم يكن عليه خوف ولا حزن في الدنيا ولا في الآخرة ، سواء جعله اللّه فقيرًا أو غنيًا أو ذا كفاف إذا اطمأن قلبه على الرضى ببلغتها .

فعجبًا لحال المؤمن حقًا فهو إن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له ، وإنْ أصابته سراء شكر فكان خيرًا له ، فهو بين مطالعة الجناية ومشاهدة المنة يصبر ويشكر ، ويوقن بأنَّ الله أعلم بحاله منه ،"ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير"

فإذا وجدت الله يرزق هذا ويمنع عن ذلك فتذكر قول الله تعالى:"أليس الله بأعلم بالشاكرين"، وتذكر قول الله تعالى:"وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ"واعلم أن خزائن الله لا تنفد ، وهو المعطي المانع فليتعلق قلبك به ، ودع عنك زخرف الحياة الدنيا فإنما هي أوهام ، والدنيا كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءًا حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا ووجد الله عنده فوفاه حسابه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت