وكان عمر بن الخطاب يقول:"اخشوشنوا ، وتمعددوا ، وانزوا على الخيل نزوا ، واقطعوا الركب وامشوا حفاة".
معنى تمعددوا أي اقتدوا بمعد بن عدنان وتشبهوا به في عيشه بالتقشف والزموا خشونة اللباس، ودعوا التنعم وزي العجم، ويقال تمعدد الغلام إذا شب وغلظ ويشهد له ما في الحديث الآخر: عليكم باللبسة المعدّيَّةِ ، وامشوا حفاة. فهو حثٌ على التواضع ونهيٌ عن الإفراط في الترفه والتنعم.
وإنَّما كان يأمرهم بالتخشن في عيشهم لئلا يتنعموا فيركنوا إلى خفض العيش ويميلوا إلى الدعة فيجبنوا ويحتموا عن أعدائهم .
ولعل هذا هو حال الأمة وهي تواجه أعداءها المتربصين بها ، فكثير يؤثر الذل باسم"السلام"لأنَّه ألف حياة الترف والرفاهية ، وعاد من اليسير على أمثال هؤلاء التفريط في كل شيء من أجل ضمان أن يعيش كما هو . فالله المستعان على ما يعملون .
إخوتاه ..
والشدة هي التي تصنع الرجال ، وترويض النفوس يحتاج إلى زجرها وترغيبها على حد سواء ، أمَّا أن تعطيها كل شيء ، أو تلبي لولدك جميع طلباته فقد وكلته لنفسه ، فاللهم يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث ، اصلح لنا شاننا كله ، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين .
فإنَّه من المهم للغاية أن تتربى أجيالنا على تحمل المشاق ، وبذل الوسع في طلب الآخرة ، وقد قالت العرب قديما: وعند الصباح يحمد القوم السُّرى (1) .
قال الشاعر:
ليسَ أمرُ المرءِ سهلًا كله إِنَّما الأمرُ سهولٌ وحزونْ
ربما قرَّتْ عيونٌ بشجى مُرْمضٍ قد سخنتْ عنه عيونْ
تطلبُ الراحةَ في دارِ العنا خابَ من يطلبُ شيئًا لا يكونْ
(1) السُّرى: سير عامة الليل . وهو مثل يضرب في الرجل يحتمل المشقة من أجل الراحة .