والسفلى المنفقة، وقد كان النبي (- صلى الله عليه وسلم -) إذا اعطى الفقير العطية يجعلها في يد نفسه ويأمر الفقير ان يتناولها لتكون يد الفقير هي العليا أدبًا مع قوله تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ} [1] فلما أضيف الأخذ الى الله تعالى تواضع لله فوضع يده أسفل من يد الفقير الآخذ )) [2] .
وقيل أيضًا (( والتحقيق ان السفلى يد السائل وأما يد الآخذ فلا لأن يد الله هي المعطية ويد الله هي الآخذة وكلتاهما عليا يمين ) ) [3] وبذلك لا يد أعلى من يدٍ فكلتا اليدين لله تعالى وليس من اللائق ان تكون يد الله أسفل، وغير ذلك من الآراء التي ذكرت، وخير تلك الآراء ما قيل عن عمر انه كتب الى بشر بن مروان اني سمعت رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) يقول (( اليد العليا خير من اليد السفلى ولا أحبُ السفلى إلا السائلة ولا العليا الا المعطية ... فعن ابن عمر قال: كنا نتحدث ان اليد العليا هي المنفقة ) ) [4] .
من كل هذا الكلام يتضح لنا ان العليا هي المقدمة لشرفها وفضلها على اليد السفلى ولولا تفضلها لما قُدمت، فالمعطي يكون صاحب مقدرة مالية لانه يكفي أهلهُ ويتصدق على الناس بماله، اما الآخذ فهو مكسور النفس في الغالب لسوء أحواله المعاشية والاقتصادية فضلًا عن الإذلال والهوان الذي يشعر فيه لتصدق الناس عليه.
وقد تتقدم جملة اسمية على جملة اسمية أخرى، لأن الأولى سبب في الثانية كقوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( سبابُ المسلم فسوق، وقتالهُ كفرٌ ) ) [5] .
(( والسباب أشد من السب وهو ان يقول الرجل ما فيه وما ليس فيه يريد بذلك عيبهُ، وعندهُ السباب هنا مثل القتل، والفسق في اللغة الخروج وفي الشرح الخروج عن طاعة
(1) سورة التوبة، الآية: 104.
(2) ارشاد الساري: 3/ 553.
(3) المصدر نفسه: 3/ 553.
(4) ارشاد الساري: 3/ 554.
(5) صحيح البخاري: 1/ 19.