والتقديم هنا للسببية، يقول النسفي (( وقدم إحياء الأرض على سقي الأنعام والأناسي لأن حياتها سبب لحياتهما وتخصيص الأنعام من الحيوان الشارب لأن عامة الأناسي متعلقة بها فكأن الانعام عليهم بسقي الانعام كالانعام بسقيهم ) ) [1] .
وهذا ما صرح به الالوسي حين قال في تفسير الآية: (( فالتقديم من قبيل تقديم الأسباب على المسببات، وجواز ان يكون تقديم ما ذُكر على سقي الأناس لأنهم إذا ظفروا بما يكون سقى أرضهم ومواشيهم لم يعدموا سقياهم ) ) [2] .
وقد يكون التقديم حسب الكثرة، فالأكثر يقدم على الأقل كقوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( أريتُ النار فإذا أكثر أهليها النساء يكفرن، قيل: أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير ويكفرن الاحسان، لو احسنت الى احداهن الدهر ثم رأت منك شيئًا قالت: ما رأيت منك خيرًا قط ) ) [3] .فكفران العشر هو الأكثر في كفران النعمة، فهو يحدث مع إحسان الأزواج ثم يتدرج تنازليًا مع الإحسان عند الاخرين، والعشير: (( الزوج كما يدل عليه السياق ) ) [4] .
يقول القسطلاني: (( وليس كفر العشير لذاته بل كفران إحسانه فهذه الجملة كالبيان للسابقة وتوعده على كفران العشير وكفران الإحسان بالنار ) ) [5] .
وقد يبدو فيه تقدم السبب على المسبب، فكفران الإحسان يسبب كفران العشير، لأن الزوج يحسن على زوجته فإذا ما كفرت بإحسان زوجها، كان كفران للعشير بكفران إحسانه.
وقد تقدم الجملة الفعلية على جملة فعلية أخرى لأسبقيتها كسبق الصلاة لباقي أركان الدين الإسلامي، لأنها فرضت أولًا على المسلمين، كما ورد في الحديث النبوي الشريف، فعن أبي أيوب (رضي الله عنه) : (( ان رجلًا قال للنبي(- صلى الله عليه وسلم -) أخبرني بعمل
(1) تفسير النسفي: 2/ 546، وينظر الطراز: 2/ 74.
(2) روح المعاني: 7/ 31.
(3) صحيح البخاري: 1/ 14.
(4) ارشاد الساري: 1/ 164.
(5) ارشاد الساري: 1/ 165.