من ثلاثياتِ الإمامِ البخاريِّ: هو ما أخرجهُ في (( بابِ صفةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ) )فقال: (حَدَّثَنَا عِصَامُ بْنُ خَالِد) بكسر العينِ المهملةِ بعدها صادٌ مهملةٌ، أبو إسحاقَ الحمصيُّ الحضرميُّ، ذكرهُ ابنُ حبان في (( كتاب الثِّقات ) )وهو من كبارِ شيوخِ
ص 104
البخاريِّ، وليس له في (( الصحيحِ ) )غيره، وهذا طريقٌ ثالثٌ للبخاري في الثلاثياتِ وجميعُ رواته لم يتقدم لهم ذكرٌ، قال في (( التقريب ) ): صدوقٌ من التَّاسعة، مات سنة أربعَ عشرةَ ومائتينِ على الصحيحِ، (قال: حَدَّثَنَا حَرِيزُ بْنُ عُثْمَانَ) بفتح الحاءِ المهملةِ وكسر وسكون التحتيةِ بعدها زايٌ معجمةٌ، من صغارِ التابعينَ، أبو عثمانَ الرحبيُّ الحمصيُّ.
قال في (( التقريبِ ) ): ثقةٌ ثَبْتٌ، ولد سنةَ ثمانين، ومات سنةَ ثلاث وستينَ ومائةٍ، وهو ابن ثلاثٍ وثمانينَ سنة، وقال في (( جامعِ الأصولِ ) )وكان فيه تحامُلٌ على عليِّ بن أبي طالبٍ _رضي الله عنه_ (أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللهِ بْنَ بُسْرٍ) [1] بضمِّ الموحدةِ وسكونِ السينِ المهملةِ، أبو صفوان السلمي المازني الشافعي، وقيل: يُكْنى أبا بُسْرٍ، وله ولأبيهِ بسر، وأمه وأخيه عطيةُ وأخته الصمَّاءُ صحبةٌ، نزلَ بالشام، ومات بحمص فجأةً وهو يتوضأ، سنة ثمانٍ وثمانين، وهو آخر من ماتَ من الصحابةِ بالشامِ على قولٍ، وكان صلَّى إلى القبلتين فيما قيل، وزادَ في تاريخِ محمدُ بن سعدٍ فقال: ومات وهو ابن أربعٍ وتسعين سنةً (صَاحِبُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) ولعلَّ تخصيصَ ذلك بهذه الصفةِ قلةُ ورودِ مروياتهِ في الصحيحِ فعرَّفه بها لئلا يشتبهَ أمره على القارئ، (أَرَأَيْتَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ شَيْخًا) قال في (( الفتح ) ): يحتملُ أن يكونَ «أَرَأَيْتَ» بمعنى أخبرني، والنبيُّ بالرفعِ على أنه اسمُ كان، والتقدير: أخبرنِي أكان النبي صلى الله عليه وسلم شيخًا؟ ويحتملُ أن يكونَ «أَرَأَيْتُ؟» استفهامًا منه هل رأى النبي
ص 105
صلى الله عليه وسلم، ويكون النبي بالنصب على المفعولية، وقوله: «كَانَ شَيْخًا؟» استفهامٌ ثاني حُذِفَ منه أداةُ الاستفهامِ، ويؤيدُ هذا الثاني روايةُ الإسماعيليِّ من وجهٍ آخرَ عن حريزِ بن عثمانَ، قال: رأيتُ عبدَ اللهِ بنَ بُسْرٍ صاحبَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بحمص والناسُ يسألونَهُ، فدنوتُ منهُ وأنا غلامٌ، فقلت: أنت رأيتَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. قلتُ: شيخٌ كانَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أم شابٌّ؟ قال: فتبسمَ، وفي روايةٍ لهُ: فقلتُ له: أكانَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم [صبغَ] قال: يا ابن أخي لم يبلغْ ذلكَ.
(كَانَ فِي عَنْفَقَتِهِ شَعَرَاتٌ بِيْضٌ) أي لا يزيدُ على عشرةٍ لإيرادهِ بصيغةِ جمعِ القِلَّةِ، والعَنْفَقَةُ: الشعرُ الذي في الشفةِ السُّفلى، وقيل: الشعرُ الذي بينها وبين الذقنِ، وأصل العنفقةِ خفةُ الشيءِ وقِلَّتُهُ.
وقال في (( الفتح ) )في شرح حديث قتادةَ: سَأَلْتُ أَنَسًا هَلْ خَضَبَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: «إِنَّمَا كَانَ شَيءٌ فِيْ صُدْغَيْهِ» ، وهذا مغايرٌ للحديثِ السابق: أن الشعرَ الأبيضَ كان في عنفقتِهِ، وخيرُ الجمعِ ما وقعَ عند مسلمٍ من طريق سعيدٍ عن قتادةَ عن أنسٍ قال: «لَمْ يَخْضِبْ رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، إِنَّمَا كَانَ الْبَيَاضُ فِي عَنْفَقَتِهِ وَفِي الصُّدْغَيْنِ وَفِي الرَّأْسِ نُبَذٌ» أي متفرقةٌ، وعُرِفَ من مجموعِ ذلكَ أن الذي شابَ من عَنْفَقَتِهِ أكثرُ مما شابَ من غيرها، ومُرادُ أنسٍ أنه لم يكن في شعرهِ ما يحتاج إلى الخضابِ، وأمَّا ما رواهُ الحاكمُ وأصحاب السُّننِ من حديث أبي رِمْثةَ، قالَ: «أَتَيْتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهِ بُرْدَانِ أَخْضَرَانِ، وَلَهُ شَعْرٌ قَدْ عَلَاهُ الشَّيْبُ، وَشَيْبُهُ أَحْمَرُ مَخْضُوبٌ بِالْحِنَّاءِ»
ص 106
فهو موافقٌ لقولِ ابن عمرَ: رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يخضبُ بالصُّفرةِ، فالجمعُ بينه وبين حديثِ أنسٍ أن يُحملَ نفي أنسَ على غلبة الشيبِ حتى يَحتاج إلى خضابِهِ، فلم يتفقْ أنه رآهُ وهو يخضبُ، ويُحملُ حديثُ من أثبتَ الخضابَ على أنه فعله لإرادةِ بيانِ الجوازِ ولم يواظبْ عليه.
وأما ما تقدمَ عن أنسٍ أخرجه الحاكمُ من حديثِ عائشةَ: «مَا شَانَهُ الله بِبَيَاضٍ» فمحمولٌ على أن تلكَ الشعراتِ البيضِ لم يتغير منها شيءٌ من حُسْنِهِ صلى الله عليه وسلم.
[1] في المخطوط: «بن أنس» .