الصفحة 9 من 22

من ثلاثياتِ البخاريِّ وهو ما رواهُ في كتابِ الحوالةِ، في «بابِ إنْ أَحالَ الرجلُ دَيْنَ الميتِ على رجلٍ جازَ» :

فقال: (حَدَّثَنَا المَكِّيُّ) بلفظِ المنسوبِ إلى مكَّةَ، وهو اسمٌ لا نسبةٌ (بْنُ إِبْرَاهِيْمَ) ابن بشيرِ بن فَرْقَدٍ البلخيِّ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيْدٌ) وهو من الزيادة (ابْنُ أَبِي عُبَيْدٍ) بالتصغيرِ، مولى سلمةَ بن الأكوعِ (عَنْ سَلَمَةَ) بالمفتوحاتِ (ابْنُ الأَكْوَعِ) وقيلَ هو جدُّهُ، واسمُ أبيهِ عمرو، على اختلافٍ فيه، وقد تقدم بيانَهُ.

(رضي الله عنهُ، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، إِذْ أُتِيَ) بضمِّ الهمزةِ مَبْنِيًّا للمفعولِ

ص 80

(بِجَنَازَةٍ) قال في (( القاموسِ ) ): الجِنازةُ الميتُ ويفتحِ، أو بالكسر: الميتُ، وبالفتحِ: السريرُ أو عكسُهُ، أو بالكسرِ السريرُ مع الميتِ (فَقَالُوا: صَلِّ عَلَيْهَا) يا رسولَ اللهِ (ولم يسمِّ صاحبَ الجنازةِ) ، ولا الذي قال: صلِّ عليها.

وفي حديثِ جابرٍ عند الحاكمِ: «مَاتَ رَجُلٌ، فَغَسَّلْنَاهُ، وَكَفَّنَّاهُ، وَحَنَّطْنَاهُ، وَوَضَعْنَاهُ حَيْثُ تُوضَعُ الْجَنَائِزُ عِنْدَ مَقَامِ جِبْرِيْلَ» (ثُمَّ آذَنَا) رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بهِ. انتهى.

ولعلَّ المرادَ بمقامِ جبريلَ ما أشارَ إليه السيِّدُ السَّمْهُوْدِيُّ في (( تاريخِ المدينةِ ) )في قصةِ بني قريظةَ، نقلًا عن (( الاكتفاءِ ) )أن جبريلَ عليهِ السلامُ أتى في ذلكَ اليومِ على فرسٍ عليهِ اللَّامَةُ حتى وقفَ ببابِ المسجدِ عندَ موضعِ الجنائزِ، وإنه على وجهِ جبريلَ لأثرُ الغبارِ. انتهى.

فلذلكَ سُمِّيَ البابُ ببابِ جبريلَ، إذا لم [يكن] حينئذٍ للمسجدِ بابٌ في ناحيةِ الجنائزِ غيره (فَقَالَ: عَلَيْهِ) أي الميت (دَيْنٌ) لأنه عليهِ الصلاةُ والسلامُ، كان قبلَ أن يُفتحَ عليه الفتوحُ، إذا أُتِيَ بِمَدِيْنٍ لا وفاءَ لدينهِ، قالَ لأصحابهِ: صلُّوا عليه، ولا يُصلِّي هو عليهِ تحذيرًا عن الدَّيْنِ، وزجرًا عن المماطلةِ (قَالُوْا: لَا) دينَ عليهِ (قَالَ: فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا، قَالُوْا: لَا) لم يتركْ شيئًا.

فإن قيلَ ما فائدةُ هذا السؤالِ عند الصلاةِ عليه بعد العلمِ بأنه لا دينَ عليهِ؟ أُجِيْبَ بأنه يحتملُ أنه لو تركَ شيئًا لزادَ صلى الله عليه وسلم في الاستغفارِ لهُ، ولدَعى له بما يُسَهِّلُ حسابهُ.

(فَصَلَّى عَلَيْهِ) زاده الله شرفًا لديه.

(ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، صَلِّ عَلَيْهَا، قَالَ:) عليه الصلاةُ والسلامُ (هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ قِيلَ: نَعَمْ) عليه دَيْنٌ (قَالَ: فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا لِدَيْنِهِ؟ قَالُوْا) ترك (ثَلاَثَةَ دَنَانِيْرَ) وللحاكمِ من حديث جابرٍ: «دِيْنَارٌ [1] » ، وعندَ الطبرانيِّ من حديثِ أسماءَ بنت يزيدَ: «كَانَا دِيْنَارَيْنِ وَشَطْرًا» .

وجمعَ الحافظُ ابنُ حجرٍ بين هذا بأنَّ من قال ثلاثةً جبرَ الكسرَ، ومن قالَ دينارينِ ألغاهُ،

ص 81

أو كان أصلهما ثلاثةٌ، فوفَّى قبل موتهِ [دينارًا وبقي عليه] دينارانِ، فمتى قالَ ثلاثةٌ فباعتبارِ الأصلِ، ومن قالَ: دينارانِ فباعتبارِ ما بقيَ (فَصَلَّى عَلَيْهَا) ولعلَّهُ عليهِ الصلاة والسلامُ عَلِمَ أن هذه الثلاثة دنانيرَ تفي دينهِ، بقرائنِ الحالِ أو بغيرِهَا.

(ثُمَّ أُتِيَ) بِالجَّنَازَةِ (الثَّالِثَةِ، فَقَالُوْا: صَلِّ عَلَيْهَا) يا رسولَ اللهِ (قَالَ: هَلْ تَرَكَ) الميتُ (شَيْئًا؟ قَالُوْا: لَا فَهَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ قَالُوْا: نَعَمْ) عليهِ (ثَلَاثَةَ دَنَانِيْرَ، قَالَ: صَلُّوْا عَلَى صَاحِبِكُمْ، قَالَ أَبُو قَتَادَةَ:) الحارثُ بن رِبعي الأنصاريُّ (صَلِّ عَلَيْهِ يَا رَسُوْلَ اللهِ، وَعَلَيَّ دَيْنَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ) صلى الله عليه وسلم.

قال في (( الفتح ) ): وفي روايةِ ابنِ مَاجه من حديثِ أبي قتادةَ نفسِهِ، فقالَ أبو قتادةَ: أَنَا أَتَكَفَّلُ بِهِ، زادَ الحاكمُ في حديثِ جابرٍ فقالَ: هُمَا عَلَيْكَ وَفي مَالِكَ وَالمَيَّتُ مِنْهُمَا بَرِيءٌ، قَالَ: نَعَمْ، فَصَلَّى عَلَيْهِ، فَجَعَلَ رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا لَقِيَ أَبَا قَتَادَةَ يَقُوْلُ: مَا صَنَعَتْ الدِّيْنَارَانِ حَتَّى كَانَ آخرُ ذَلِكَ، أنهُ قالَ: قَضَيْتُهُمَا يَا رَسُوْلَ اللهِ، قَالَ: الآنَ حِيْنَ يَرُدُّ [2] عَلَيْهِ جِلْدَهُ.

وقد وقعتْ هذه القصةُ مرَّةً أُخرى: فروى الدَّارَقُطْنِيُّ من حديثِ عليٍّ: كَانَ رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أُتِيَ إِلَى الجَنَازَةِ لَمْ يَسْأَلْ عَنْ شَيْءٍ مِنْ عَمَلِ الرَّجُلِ، وَيَسْأَلُ عَنْ دَيْنِهِ؟ فَإِنْ قِيلَ عَلَيْهِ دَيْنٌ كَفَّ، وَإِنْ قِيلَ لَيْسَ عَلَيْهِ دَيْنٌ صَلَّى، فَأُتِيَ بِجِنَازَةٍ فَلَمَّا قَامَ لِيُكَبِّرَ سَأَلَ هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ فَقَالُوا: دِينَارَانِ، فَعَدَلَ عَنْه، ُ فَقَالَ عَلِيٌّ: هُمَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللهِ وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْهُمَا، فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ لِعَلِيٍّ جَزَاكَ اللهُ خيرًا وَفكَّ رِهَانَكَ. الحديث.

قالَ ابنُ بَطَّالٍ: ذهبَ الجمهورُ إلى صِحَّةِ هذه الكفالةِ، ولا رجوع لهُ في مالِ الميتِ، وعن مالكٍ له أن يرجعَ إن قالَ: إنما ضَمِنتُ لأرجعَ، فإذا لم يكن للميتِ مالٌ وعلمَ الضَّامِنُ بذلكَ فلا رجوعَ لهُ، وعن أبي حنيفةَ إن تركَ الميتُ وفاءً جازَ الضمانُ بقدرِ ما تركَ،

ص 82

وإن لم يترك وفاءً لم يصحَّ ذلكَ. انتهى.

زادَ القسطلانيُّ: وصلاتُهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ، وإن كانَ الدَّينُ بَاقِيًا في ذمةِ الميتِ، لكنَّ صاحبَ الحقِّ عادَ إلى الرَّجاءِ بعد اليأسِ، واطمأنَّ بأن دَيْنَهُ صارَ في مأمنٍ فحفَّ سخطُهُ وقَرُبَ مِنْهُ الرِّضَى. انتهى.

وقال المحققُ الشُّمُنِّيُّ في (( شرحِ النقايةِ ) )مُجيبًا عن حديثِ أبي قتادةَ: والحديثُ يحتملُ أن يكونَ إقرارًا بكفالةٍ سابقةٍ، فإن لفظَ الإقرارِ والإنشاءِ في الكفالةِ سواءٌ، ولا عمومَ لحكايةِ الفعلِ، ويحتملُ أن يكونَ وعدًا لا كفالةً، وكان امتناعُهُ صلى الله عليه وسلم من الصلاة، ليظهرَ طريقُ قضاءِ فاعليهِ، فلما ظهرَ بالوعدِ صلَّى عليهِ. انتهى.

قالَ في (( الفتح ) ): وفي هذا الحديثِ إشعارٌ بصعوبةِ أمرِ الدِّينِ، فإنَّهُ لا ينبغي تحمُّلُهُ إلا من ضرورةٍ، وسيأتي الكلامُ على الحكمة في تركهِ صلى الله عليه وسلم الصلاةَ على من عليهِ دَيْنٌ في أولِ الأمرِ عند الكلامِ على حديثِ أبي هريرةَ. انتهى.

قلتُ: وهذا الحديثُ ذكره البخاريُّ في «باب الدَّيْنِ» عن أبي هريرةَ _ رضي الله عنه_ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الْمُتَوَفَّى عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَيَسْأَلُ: «هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ قَضَاءً؟» . فَإِنْ حُدِّثَ أَنَّهُ تَرَكَ لِدَيْنِهِ وَفَاءً صَلَّى، وَإِلاَّ قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» . فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ الْفُتُوحَ، قَالَ: «أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّىَ فَتَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ» . انتهى.

وقد لخصَّ القسطلانيُّ _رحمه الله_ كلامَ الفتحِ فيما يتعلَّقُ بهذا الحديثِ، فقالَ: واسْتُنْبِطَ منهُ التحريضَ على قضاءِ دينِ الإنسانِ في حياتهِ، والتَّوصلُ إلى البراءةِ منهُ، ولو لم يكنْ أمرُ الدَّيْنِ شَدِيْدًا لما تركَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ على المديونِ، وهل كانت صلاتُهُ على المديونِ حرامًا أو جائزةً؟

وجهانِ. قالَ النَّوويُّ: الصوابُ الجزمُ بجوازهِا مع وجودِ الضَّامنِ كما في حديثِ

ص 83

مسلمٍ، وفي حديثِ ابن عباسٍ عند الحازِمِيِّ أنَّ النبيَّ _صلى الله عليه وسلم_ لما امتنعَ من الصلاةِ على مَنْ عليهِ دَيْنٌ جاءهُ جبريلُ، فقالَ إنما المظالمُ في الديونِ التي كانت في البغيِّ والإسرافِ، فأما المُتَعَفِّفُ ذو العيالِ فأنا ضامنٌ لهُ أؤدي عنهُ، فصلَّى عليهِ النبيُّ _صلى الله عليه وسلم_ وقالَ بعدَ ذلكَ: «مَنْ تَرَكَ ضَيَاعًا» الحديثُ. انتهى.

وفي رواية: «وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَلْيَأْتِنِي» .

والضَّيَاعُ: بفتحِ المعجمةِ بعدَها تحتانية: قال الخَطَّابي: هو وصفٌ لما خلَّفَهُ الميتُ بلفظِ المصدرِ؛ أي تركَ ذوي ضَياعٍ، أي لا شيء لهُم.

قال في (( الفتحِ ) ): وفي صلاتهِ صلى الله عليه وسلم على مَنْ عليهِ دَيْنٌ بعدَ أن فُتِحَ عليهِ الفتوحُ إشعارٌ بأنه كانَ يقضيهِ من مالِ المصالحِ، وقيل: بل كانَ يقضيهِ من خالصِ نفسهِ.

وهل كانَ القضاءُ واجبًا عليهِ أم لا؟ وجهانِ، وقال ابنُ بَطَّالٍ: قولهُ: «مَنْ تَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ» ، ناسخٌ لتركِ الصلاةِ على من ماتَ وعليهِ دَيْنٌ، وقوله: «فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ» ، أي مِمَّا يفيءُ اللهُ عليهِ من الغنائمِ والصدقاتِ.

قال: وهذا يلزمُ المتوليِّ لأمرِ المسلمينَ أن يفعلَهُ لمن ماتَ وعليه دَيْنٌ، فإن لم يفعلْ فالإثمُ عليهِ إن كانَ حقُّ الميتِ في بيتِ المالِ يفي بقدرِ ما عليهِ من الدَّيْنِ وإلا فبقسطه [3] . انتهى.

[1] في الإرشاد: «ديناران» .

[2] في الفتح: «برَّدت» .

[3] في المخطوط: «فيسقط» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت