فهرس الكتاب
ويبدو أنَّ النحويين لم يكن غرضهم الوقوفَ على مفهوم الزّمانِ مباشرةً، وإنَّما أرادوا أن يتوصّلوا إلى تعريفٍ للفعل يميّزُهُ عن الاسم؛ لأنَّ الاسم يدل على حدث فقط، فاقتصروا في تقسيم الفعل على الماضي والحال والاستقبال فحسب، يقول سيبويه"وأما الفعل فأمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء، وبنيت لما مضى، ولما يكون ولم يقع، وما هو كائن لم ينقطع" [1] .
ولا نقولُ إنّ علماء العربية لم يَفْطِنُوا إلى حقيقة الزمان من حيث علاقة الفعل به، إذ لا يجوز أن يكون قد التبس عليهم الفرق بين معاني الفعل الخالي من القيود الزمنية، وبين الفعل المقيَّد بها فهم بلا شك قد أدركوا الفروق بينهما، إلاّ أنَّهم لم يدخلوا في تفاصيلها ولم يجعلوا لكلٍّ من الصِّيَغِ الزمنية بابًا خاصًا بها [2] .
فليست صيغة (فَعَلََ) وحدها للدلالة على الزمن الماضي، بل قد لا تدل عليه، وتنصرف إلى الدلالة على الحال والاستقبال.
وليست الصيغة"يَفْعَلُ"وحدها للدلالة على الزمان الحاضر والمستقبل، بل قد لا تدل عليهما وتنصرف للدلالة على الماضي، وتؤدي القيود والضمائم من الأدوات الحرفية والفعلية وظيفة مهمة في تقريب زمن الماضي أو المستقبل إلى زمن الحال أو تنفيس الوقت وإبعاده منه.
لذا فإنَّ هذا المبحث يعد محاولة لفهم العلاقة بين الفعل والزمن من خلال التركيز على الصيغ اللغوية ودلالتها على الزمن، ولاسيما في قربه وبعده.
ولعل من المفيد - قبل الولوج في مسائل القرب الزمني في الأفعال - أن أشير إلى مقدمات مهمة متعلقة بهذا الموضوع وممهدة لمسائله وقضاياه.
المقدمة الأولى: مكانة الفعل والزمن:
اهتم النحويون القدامى بمسألة الفعل في مباحثهم النحوية؛ لكونه طرفًا رئيسا في قضية الإسناد التي تعد من أهم القضايا اللغوية، كما أنَّه يعدُّ أقوى العوامل؛ فهو يرفع فاعلا وينصب مفعولًا كما
(1) الكتاب (1/ 12) .
(2) ينظر: الفعل والزمن (19) ، واتجاهات التحليل الزمني (71 - 73) .