الصفحة 86 من 336

ويرى ابن يعيش أنَّه لا فرق - أيضا - بين معنى التقليل مع المضارع، ومعنى التقريب مع الماضي، وهذا يؤكد ما أشرنا إليه قبل قليل من أنَّ التقريب هو المعنى الجامع لمعاني هذا الحرف، قال ابن يعيش:"قد تستعمل (قد) للتقليل مع المضارع فهي لتقليل المضارع وتقريب الماضي؛ وذلك لما بين التقليل والتقريب من المناسبة، وذلك أنَّ كل تقريب تقليل؛ لأنَّ فيه تقليل المسافة" [1] .

وقد دلت"قد"على الماضي القريب من الحال في قوله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ} [المجادلة/1] ففي هذه الآية جاءت"قد"لإفادة الماضي القريب من الحال لا يفصله عنه إلا حيز زمني قليل واقع بين سماع الله قول المجادلة وبين مخاطبته رسول الله - $.

وكذلك في قوله تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} [الأنعام/119] ، وقوله تعالى: {قَالُوا وَمَا لَنَا أَلا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا} [البقرة/246] ، وقوله تعالى: {وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ} [المائدة/61] قال الزمخشري:"قوله: (بالكفر) و (به) حالان، أي: دخلوا كافرين وخرجوا كافرين، وتقديره: ملتبسين بالكفر، وكذلك قوله: (وقد دخلوا) ؛ (وهم قد خرجوا) ولذلك دخلت (قد) تقريبًا للماضي في الحال، ولمعنى آخر: وهو أنَّ أمارات النفاق كانت لائحة عليهم، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متوقعًا لإظهار الله ما كتموه، فدخل حرف التوقع وهو متعلق بقوله: (قالوا آمنا) أي: قالوا ذلك وهذه حالهم" [2] .

حروف العطف

بعض حروف العطف بنيت على الترتيب الزمني من حيث قرب المعطوف من المعطوف عليه أو بعده عنه، وفيما يأتي بيان لحروف العطف الدالة على المسافة قربا وبعدًا:

1 - (الواو)

(1) شرح المفصل: 8/ 147.

(2) الكشاف: 1/ 686.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت