بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه ... أما بعد:
فإنَّ التقارب ظاهرة لغوية، كما أنه ظاهرة إنسانية وسنة إسلامية، فهو من أهم الظواهر في لغة البيان، حيث نتعرف من خلاله على وجوه التداني بين الكلم العربية وأساليب التقاء النظير مع النظير والشبيه مع الشبيه، كما أنه يُعدُّ مسلكًا من مسالك العلة، والقياس، والترجيح.
ولقد استرعى انتباهي شدة عناية العرب بجانب القرب والجوار ومن ذلك أنهم جعلوا الحمل على الأقرب أولى من الحمل على الأبعد، وأعطوا الشيء حكم ما جاوره، وكل هذا اعترافا منهم بفضل القرب والجوار، و"الجارُ أحقُ بصَقَبِه" [1] .
وقد وجدت- بعد البحث والدراسة- أنَّ القرب باب نفيس في العربية، وهو على نفاسته واسع جدًا، وله أنماطه المتعددة وأساليبه المتلونة، الأمر الذي جعلني أعقد العزم -متوكلا على الله - لتتبع مظاهر القرب وصوره وبيان دلالاته ولملمة ما تفرق من مسائله.
وقد تتبعت ما كتب في هذا الموضوع فتأكد لديَّ أنَّ هذا الموضوعَ لم ينلْ حظَّه من البحث، وما كُتِبَ فيه من بحوثٍ لم تكن جامعة لمسائله وأحكامه، وممن كتب فيه:
1 -الدكتور/ تمام حسان؛ إذ تناول في كتابه (البيان في روائع القرآن) بحثًا بعنوان (مفهوم المسافة في القرآن الكريم) تعرض فيه لثابت المسافة بفرعيه: القرب والبعد. وهو بحث قيِّم شَكَّلَ رافدًا أساسيًا في هذه الدراسة، وقد نص في هذا الكتاب على أنَّ ثابت المسافة لم ينل حظه من العناية عند النحاة، وأن عنايتهم بالمسافة كانت محدودة وضيقة.
2 -الدكتور/ محمد عبد الرحمن الريحاني في كتاب له بعنوان (اتجاهات التحليل الزمني في الدراسات اللغوية) ، أشار فيه إلى عنصر الزمن في الفعل العربي، ودلالات الصيغ الزمنية المختلفة.
3 -الدكتور/بكري عبد الكريم في كتابه (الزمن في القرآن الكريم، دراسة دلالية للأفعال الواردة فيه) وهذا الكتاب كسابقه يتناول الدلالات الزمنية للصيغ الفعلية بأشكالها المختلفة.
ونجد في هذا الكتاب والذي قبله إشارات متفرقة إلى القرب والبعد الزمني والصيغ الدالة عليهما.
4 -الدكتور/عبد الفتاح أحمد الجمّوز، ألف كتابًا بعنوان (الحمل على الجوار في القرآن الكريم) ، أثبت فيه جواز الحمل على الجوار في القرآن الكريم وردَّ على المنكرين لهذه الظاهرة إلا أنَّ هذه الدراسة اقتصرت على حصر مسائل الجوار فقط، وإنما الجوار صورة من صور التقارب.، كما تركزت في الغالب على المستوى الصرفي، مع أنها شاملة لكل مستويات اللغة.
(1) حديث شريف، رواه الإمام أحمد في مسنده عن أبي رافع (45/ 161) برقم (27180) ، وهو بلقظ:"الجار أحق بسقبه"في سنن النسائي (7/ 367) برقم (4717) ،باب البيوع، وسنن ابن ماجة (2/ 834) برقم (2496) ،باب الشفعة.