الصفحة 210 من 336

ونفيها نفي، فيكون معنى كاد حينئذ مقاربة الفعل، فإذا قلت: (كاد يفعل) فإنك أثبت المقاربة ولم تثبت الفعل، وإذا قلت: (ما كاد يفعل) فإنَّك تنفي مقاربة الفعل، أي: لم يقارب الفعل ولم يقرب من فعله، فهم متفقون في معنى الإثبات مختلفون في معنى النفي، وفي هذه المسألة خلاف كبير بينهم يراجع في مظانه [1] .

ب) - (عسى)

فعل غير متصرف، يدل على القرب والدنو [2] ، استعمل في كلام العرب على ضربين [3] :

الأول: أن يكون فعلا ناقصا بمنزلة كان وكاد وأخواتهما، وحينئذ يفتقر إلى منصوب، ومرفوع ويكون معناه (قارب) نحو قوله تعالى: {َفعَسَى اللّهُ أَن يَاتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ} [المائدة/52] .

الثاني: أن يكون فعلا تاما بمنزلة كان التامة، وحينئذ يكتفي بمرفوع ولا يحتاج إلى منصوب ويكون بمعنى قرب، ومنه قوله تعالى: {فعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} [البقرة/212] .

فهو في الحالين يدل على المقاربة لكن على سبيل الترجي، مَثَلُهَا مَثٌلُ (كاد) في إفادة القرب.

والفرق بين (عسى) وبين (كاد) أنَّ (عسى) لمقاربة الأمر على سبيل الرجاء والطمع، تقول:"عسى الله أن يشفي مريضي"، تريد أنَّ قرب شفائه مرجو من عند الله تعالى مطموع فيه، و (كاد) لمقاربته على سبيل الحصول، تقول:"كادت الشمس تغرب"، تريد أنَّ قربها من الغروب قد حصل [4] .

والسبب في اقتران خبرها بـ (أنْ) هو أنَّ (عسى) موضوعة لمقاربة الاستقبال و (أنْ) تخلص الفعل للاستقبال، فألزموا الفعل الذي وضع لمقاربة الاستقبال (أنْ) التي هي علم على الاستقبال، ولذا كان الاختيار مع (كاد) حذف (أنْ) وهي كـ (عسى) في المقاربة؛ لأنَّ (كاد) أبلغ في تقريب الشيء من الحال، و (عسى) أذهب في الاستقبال؛ ألا ترى أنَّك لو قلت:"كاد زيد يذهب بعد عام"لم يجز؛ لأنَّ (كاد) توجب أن يكون الفعل شديد القرب من الحال، ولو قلت:"عسى الله أن يدخلني الجنة برحمته"لكان جائزًا، وإن لم يكن شديد القرب من الحال، فلما كانت (كاد) أبلغ في تقريب الشيء من الحال حذف معها (أنْ) التي هي علم الاستقبال، ولما كانت (عسى) أذهب في الاستقبال أتي معها بـ (أنْ) التي هي علم الاستقبال [5] .

(1) ينظر: البرهان في علوم القرآن (4/ 136) ، ومغني اللبيب (2/ 762) ،وهمع الهوامع (1/ 147) ، وحاشية الصبان (1/ 414) .

(2) ينظر: الصاحبي في فقه اللغة (237) .

(3) ينظر: شرح المفصل (7/ 115) ، وشرح الجمل لابن عصفور (2/ 179) .

(4) ينظر: المفصل (271) .

(5) ينظر: أسرار العربية (1/ 68 - 69) ، وشرح المفصل (7/ 121 - 122)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت