الصفحة 259 من 336

معمول لعامل آخر غير المعمول الأول على الأصح، أي أن البدل على نية تكرير العامل، ولذلك يجوز إظهاره إذا كان حرف جر بإجماع، فبعدت مراعاة المجاورة، ونزل منزلة جملة أخرى" [1] ."

وقال ابن هشام:"وينبغي امتناعه في البدل؛ لأنَّه في التقدير من جملة أخرى فهو محجوز تقديرًا" [2] .

وبعد كل ما تقدم لا يسع الباحث إلا أن يضم صوته إلى صوت القائلين بجواز الحمل على الجوار، إلا أنَّه يرى قصر الجواز على بابي النعت والعطف، خاصة لكثرة المسموع عن العرب فيهما، وقلة وروده في بابي التوكيد والبدل، ومن المسوغات التي تجعل الباحث يميل إلى القول بهذا المذهب ما يأتي:

1 -إذا أنعمنا النظر في حقيقة التابع بالنسبة إلى متبوعه يتبين لنا أنَّ التابع يأتي في الجملة العربية متمما لمتبوعه في المعنى ومفسرًا له، ومشاركًا له في الحكم الإعرابي، الأمر الذي يجعل التابع مع متبوعه كالشيء الواحد، يجري عليه ما يجري على المتبوع.

وليس ذلك فحسب؛ بل يتميز التابع بشدة مجاورته للمتبوع وملاصقته له في الأغلب، ومن ثمّ ذهب قسم من النحاة ومنهم سيبويه [3] إلى أنَّ العامل في المتبوع هو العامل في التابع؛ لكون التابع ينزل من متبوعه منزلة الشيء الواحد، وقال آخرون: العامل في التابع هو التبعية؛ لكون التابع شديد المجاورة للمتبوع، ومجانسًا له في الإعراب، وعليه يكون العامل في الأول لفظيا وفي الثاني معنويا.

والذين قالوا بجواز الخفض على المجاورة نظروا في الأمرين فقالوا: إنَّ تنزيل التابع من المتبوع منزلة الشيء الواحد وتبعيته له في الإعراب جعله شديد الملازمة له واللصوق به، الأمر الذي جعل التابع يأخذ سمت جاره ويسير سيرته، توافقًا له وتجانسًا، وعليه فالعامل هو المجاورة وهو عامل معنوي [4] .

2 -أقرَّ كثير من النحاة بجواز الجر بالجوار وصحة وروده في لغة العرب، مستندين إلى ما تواتر نقله عن العرب من أشعار كثيرة رواها الثقاة الأثبات، ومنها القول المشهور الذي بنيت عليه هذه المسألة وهو قولهم: (جُحْرُ ضَبٍّ خَرِب) ، كما أنَّ من حكم على المسألة بالضعف والشذوذ كالزجاج

(1) ينظر: ارتشاف الضرب (4/ 1914) .

(2) ينظر: شرح شذور الذهب (345) .

(3) ينظر: الكتاب (1/ 209) .

(4) ينظر: ظاهرة التآخي في العربية (1/ 279) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت