سبقت الإشارة إلى أنَّ من النحويين من ذكر أنَّ لبعض حروف النداء أكثر من جهة في الاستعمال، من ذلك ما قيل في حرف النداء (يا) ، من أنَّه حرف مشترك بين القريب، والبعيد.
والحق أنَّ ذلك محمول على اتساع هذه اللغة ومرونتها وتعاقب الحروف وتناوبها، فيحمل ذلك التعدد في أوجه استعمالات حروف النداء على هذه القاعدة.
قال القزويني:" (يا) حرف وضع في أصله لنداء البعيد ثم استعمل في مناداة القريب لتشبيهه بالبعيد باعتبار أمر راجع إليه أو إلى المنادى، أما الأول، فكقولك لمن سها وغفل - وإن قرب-:يا فلان، وأما الثاني فكقول السائل في جؤاره [1] : يا رب يا الله، وهو أقرب إليه من حبل الوريد، فإنَّه استقصار منه لنفسه واستبعاد لها من مظان الزلفى، وما يقربه إلى رضوان الله تعالى ومنازل المقربين هضمًا لنفسه وإقرارًا عليها بالتفريط في جنب الله تعالى" [2] .
فواضح - إذًا - أنَّ نداء البعيد بما هو للقريب، ونداء القريب بما هو للبعيد أسلوب معروف في اللسان العربي، ويحمل هذا الأسلوب على أنَّه عدول عن الأصل، ولا يخلو السياق حينئذ من أغراض بلاغية، منها:
أولا / تنزيل القريب منزلة البعيد:
ينزل القريب منزلة البعيد فينادى بما هو للبعيد لأغراض منها:
1 -تعظيم المنادى وبيان بعد منزلته في العظمة، كقول الداعي: يا رب، ويا الله، وهو أقرب إليه من حبل الوريد [3] .
2 -استقصار النفس، وبيان بعدها وغفلتها، وذكر بعض المفسرين أنَّ قولك: (يا الله) - الذي ذكرناه مثالا للغرض السابق - إنما هو هضمُ للنفس وإقرارٌ عليها بالتفريط في جنب الله [4] .
3 -غفلة المنادى وسوء فهمه، فحرف النداء"يا"حرف وضع في أصله لنداء البعيد، ثم استعمل في نداء من سها وغفل وإن قرب تنزيلًا له منزلة البعيد [5] .
4 -تأكيد أهمية الخطاب التالي:
قال الخضري:"وأجمعوا على جواز نداء القريب بما للبعيد لتنزيله منزلته ... ، وكذا لمجرد التأكيد اهتمامًا بما يتلو النداء" [6] .
ثانيًا /تنزيل البعيد منزلة القريب
(1) جَأَرَ يَجْأَرُ جَارًا وجُؤَارًا رفع صوته مع تضرع واستغاثة. ينظر اللسان، ("ج أر"4/ 112) .
(2) الإيضاح في علوم البلاغة: 279 - 280.
(3) ينظر: التفسير الكبير1/ 92.
(4) ينظر: الكشاف 1/ 121، والتفسير الكبير 1/ 92.
(5) ينظر: الكشاف 1/ 121، والتفسير الكبير 1/ 92، والبرهان 4/ 468.
(6) حاشية الخضري: 2/ 643.