الصفحة 12 من 402

[متن الكتاب] .

الباب الأول في الأكل والشرب.

مطلب في سنن الكل، وآدابه:.

مطلب في سنن الكل، وآدابه:

وينوي بالأكل التقويَ على العبادة، فيكون مطيعًا، ولا يقصد به التلذذ والتنعم، فإنْ قلت: لا بد من أن يتلذذ بالأكل عند الجوع، فاعلم أن ذلك لا يَضر، إذا لم يكن يقصد التلذذ، بل الضررُ يكون: إذا قصد بالأكل التلذذَ، والتنعمَ، وامتلاء بطنه (1) .

ويستحب الأكل على السُّفرة الموضوعة على الأرض، فإنه أقرب إلى التواضع، لا على الخُوان (2) وهو: ما يجعل من خشب ونحوه، مرتفعًا عن الأرض، بأرجل ثلاث أو أربع (3) . ويتقدم الأكل على الطعام، ولا يأمر بتقديمه إليه، فإنه استهانة وترفُّع، ويجلس على الطعام جلسة المتواضعين: لا يتكئ، ولا يضطجع، ولا يعتمد على شيء، بل السُّنة فيه: أن يقعد عند الأكل، مائلًا إلى الطعام، منحنيًا نحوه، ويجلس على رِجْله اليسرى، وينصب اليمنى.

ويجتهد في تكثير الأيدي على الطعام - ولو من أهله، وولده - فإنّ خير الطعام ما كثرت عليه الأيدي. وينبغي أن لا يمد اليد إلى الطعام إلا وهو جائع، فيكون الجوع أحد ما لا بَّد من تقديمه على الأكل. ثم ينبغي أن يرفع اليد قبل الشَّبع، ومن فعل ذلك استغنى عن الطبيب (5) ، ولا يقومَ عن الطعام إلا ان يقضيَ حاجته، ولا يقومَ لأحدٍ على المائدة، ولا يعيب ما قدّم إليه من طعام وشراب، ولكنْ إن اشتهاه أكل، وإلا تركه (6) .

ومن سنة الأكل: غسل اليدين قبله، وبعده، ولا يمسح يده بالمنديل قبله، ليبقى أثر الغَسل، ويمسحها بعده، ليزول أثر الطعام، وجاء: أنه بركةُ الطعام، ولا بأس به بدقيق. وهل غسلُ فمه للأكل سنة، كغسل يده؟ الجواب: لا، لكنْ يكره للجنب (عدم غسل فمه) قبلهُ، بخلاف الحائض (والنفساء) .

والبسملة أوله، والحمد آخره، فإنْ نسي البسملةَ، فليقل: باسم اللَّه على أوله وآخره، وإذا قلتَ: باسم اللَّه، فارفع صوتك، حتى تُلقنَ منْ معك.

ولا يرفع (صوته) بالحمد، إلا أنْ يكونوا فرغوا من الأكل. وإنما يسمي إذا كان الطعام حلالًا، ويحمد في آخره، كيفما كان (7) .

ومن السنة: البداءة بالملح، والختم به، بل فيه شفاءٌ من سبعين داء، ولعق القصعة، وكذا الأصابع قبل مسحها بالمنديل.

ومن السنة: أن لا يأكل من وسط القصعة، فإنّ البركة تنزل في وسطها، وأن يأكل من موضعٍ واحد، لأنه طعام واحد، بخلاف طبقٍ فيه ألوان الثمار، فإنه يأكل من حيث شاء، لأنه ألوان، وأن يأكل بيمينه إلاّ من عذر، ولا بأس بأن يستعين بيساره. ويأكلُ بثلاث أصابع: الإبهامِ، والمُسَبّحة، والوسطى. والأكل بإصبع واحدة من المقت، وبإصبعين من التكبر، وبثلاث من السنة، وبأربع، وخمس من الشَّرَه، والأولى أن يأكل باليد، لا بالملعقة، مراعاة للسنة.

حكي أنه أحضرت الأطعمة لهارون الرشيد (8) ، فدعا بالملاعق، وعنده أبو يوسف (9) ، فقال له: جاء في تفسير قوله تعالى {ولقد كَرمْنَا بني آدم} (2) : جعلنا لهم أصابع يأكلون بها، فأحضرت الملاعق، وله ملعقة مخصوصة، من العاج - وهو عظم الفيل -، فرماها هارون، وأكل بأصابعه (10) .

ومن سنة الأنبياء عليهم السلام: أكل خبز الشعير، فذلك أكثر طعامهم، فلا يأكل المؤمن إلا منه، أو يخلط البُر بالشعير للبيت، لا للبيع، ويكرم الخبز بأقصى ما يمكن، لقوله صلى اللَّه عليه وسلم"أكرموا الخبزَ، فإن اللَّه تعالى أنزله من بركات السماء، فإنه يعمل في كل لقمة يأكلها الإنسان ثلاثمائة وستون صانعًا، أولهم: ميكائيل عليه السلام - الذي يكيل الماء من خزانة الرحمة - وآخرهم: الخبازُ".

ومن إكرام الخبز: أن لا ينتظر الإدام إذا حضر، ومن إكرامه: أن يلتقط الكِسرة من الأرض، وإنْ قلّت، ويأكلها تعظيمًا لنعمة اللَّه تعالى، وفي الحديث"من أكل ما يَسْقط من المائدة، عاش في سَعةٍ، وعُوفي في ولده"ويقال: إن التقاط الفُتات مهورُ الحور العِين. ولا يضع كسيراتِ الخبز في الطريق، إلا لأجل النمل. وينبغي للإنسان إذا وجد خبزًا، أو غيره مما له حرمة: أن يرفعه عن موضع المهنة، إلى محل طاهر يصونُه، لكن لا يُقَبّله، ولا يضعه على رأسه، كما تفعله العامة، فإنه بدعة، وهذا الباب مجرب، كلُّ من عَظّم اللَّه تعالى، بتعظيم نعمه، لَطف به، وأكرمه، وإن وقع بالناس شدة، جعل له فرجًا ومخرجًا.

التوسعة على العيال - يومَ عاشوراء (11) - مندوبةٌ في المأكل، والملابس، وغير ذلك (12) ، ومما يصدق عليه التوسعة: استعمال أنواع من الحبوب.

يجوز أكل الطعامين، والتوسيع في الأطعمة، ولا خلاف بين العلماء في جوازه. وما نقل عن بعض السلف من خلافِ هذا، محمول على كراهية اعتياد التوسيع والترفيه، والإكثارِ منه، بغير مصلحة دينية، فإنّ الأعضاء كلّها تنطق بالشكر اختيارًا عند تناول ما تستلذه من الأطعمة المباحة اللذيذة (13) .

(1) ت - 121.

(2) وهو الطاولة.

(3) ط - 2 - 476.

(4) ش - 243.

(5) غ - 2 - 4.

(6) هـ - 278.

(7) ع - 5 - 216.

(8) هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور، العباسي، أبو جعفر، خامس خلفاء الدولة العباسية في العراق، وأشهرهم. ولد بالري عام (149 هـ - 766 م) ، ونشأ ببغداد، وبويع بالخلافة بعد وفاة أخيه الهادي عام /170 هـ/، فقام بأعبائها، وازدهرت الدولة في أيامه. كان عالمًا بالحديث، والفقه، والأدب، وأخبار العرب، فصيحًا، شجاعًا، كثير الغزوات، حازمًا، كريمًا، متواضعًا، يحج سنة، ويجاهد سنة. وكان يطوف أكثر الليالي متنكرًا. توفي في (سناباذ) من قرى طوس سنة (193 هـ - 809 م) ، وبها قبره. اهـ. أعلام بتصرف.

(9) انظر ترجمته في صفحة - 8 - .

(10) سورة الإسراء - 70 - .

(11) ع - 5 - 216، هـ - 175 - ش 249 - غ - 2 - 4.

(12) العاشر من المحرم، وهو اليوم الذي نجّى اللَّه تعالى فيه سيدنا موسى عليه السلام من الغرق، وأغرق فرعون، وقومه، وروى مسلم عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: قدم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم المدينة، فوجد اليهود، يصومون يوم عاشوراء، فسئلوا عن ذلك؟ فقالوا: هذا اليوم الذي أظهر اللَّه فيه موسى، وبني إسرائيل، على فرعون، فنحن نصومه تعظيمًا له. فقال النبي صلى اللَّه عليه وسلم:"نحن أولى بموسى منكم، فأمر بصيامه". وحذرًا من التشبه باليهود قال صلى اللَّه عليه وسلم:"لئن بقيت إلى قابل، لأصومنّ التاسع". وقال صلى اللَّه عليه وسلم:"صيام يوم عاشوراء، إني أحتسب على اللَّه، أن يكفر السنة التي بعدها"رواه ابن ماجه - صحيح مسلم - الترغيب والترهيب.

(13) لما رواه أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه، قال صلى اللَّه عليه وسلم"من أوسع على عياله، وأهله، يوم عاشوراء، أوسع اللَّه عليه سائر سنته". رواه البيهقي، وغيره. ترغيب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت