الصفحة 14 من 402

[متن الكتاب] .

الباب الأول في الأكل والشرب.

مطلب في مكروهات الأكل.

مطلب في مكروهات الأكل.

يكره السكوت حالة الأكل، لأنه تشبهٌ بالمجوس، ويتكلم بالمعروف، ولا يذكر على الطعام ما يقذّر الطبع: من ذكر الموت، والمرض، ولا يأكل الطعام حارًا، ولا يشمه. ولا بأس (1) بالأكل متكئًا، او مكشوف الرأس. والأكل في الظلمة منهي عنه. يكره وضع المملحة، والقصعة على الخبز، ومسحُ اليد، والسكين به، إذا لم يأكل ما يمسح به، وبعض المشايخ أفتى بالمنع مطلقًا. ومن الإسراف أن يأكل وسط الخبز، ويدعَ حواشيه، أو يأكل ما انتفخ منه، إلا أن يكون غيرُه يأكل ما تركه، أو اختار ما كان منه لينًا لعدم أسنانه، فلا بأس به، كما لو اختار رغيفًا دون رغيف. ويكره إلقاء الخبز على الأرض. واتخاذ الأطعمة سرف، إلا إذا قصد الطاعة: بأن مَلّ من لون، فاستكثر من الألوان، ليستوفي من كل نوع شيئًا. فيحصل له قدْر ما يتقوى به على طاعة اللَّه عز وجل، أو قصد دعوة الأضياف قومًا بعد قوم.

ومن السرف: وضع الخبز فوق الحاجة، وأن لا يترك لقمة سقطت من يده، فإنه إسراف، بل أن يبتدئ بها. لا يكره قطع الخبز بالسكين، إذا كان لحاجة، ولا يأكل الصحيح من الرغفان، إن وجد مكسورًا. يكره الأكل في السوق بمرأى الناس، بخلاف ما (إذا) توارى عنهم خلفَ ستر، أو غلقٍ، أو جدار، فإنه لا يكره.

ويكره الأكل في الطريق، لأنه مما يخل بالمروءة، خصوصًا بأصحاب الهيئات. ويكره الأكل في المقابر، لما فيه من التهاون باحترام قبور المؤمنين، والإخلالِ بالعِبرة التي إنما تزار القبور لأجلها. ويكره الضحك أيضًا عندها، وعند الجنازة، ولا يصدر ذلك إلا من كل مَطْمُوس البصيرة، أعمى القلب. ويكره أكل طعام الميت (أي المتخذ من مال التركة، قبل القسمة) خصوصًا إذا كان على الميت دين، أو كان في الورثة أيتام. واتخاذ الضيافة من أهل الميت مكروهة، لأنه شرع في السرور، لا في الشرور، وهي بدعة مستقبحة، فيستحب لجيران أهل الميت، والأقرباء الأباعد، تهيئة طعام لهم، يُشبعهم يَومهم وليلتهم، لقوله صلى اللَّه عليه وسلم"اصنعوا لآل جعفرٍ (2) طعامًا، فقد جاءهم ما يَشغلهم"، ولأنه بِرٌّ معروف. ويُلح عليهم في الأكل، لأن الحزن يمنعهم ن ذلك، فيضعفون.

لا يأكل كلَّ ما يشتهيه، لأنه من السرف، ولا يأكل شيئًا بشهوة نفسه، فيُحْرَمَ الحكمة، ومهما كان أجوعَ، فليكن أدبه في الأكل أحسنَ، فيكون على التأني والوقار، لا على الحرص والعجلة (3) .

(1) كلمة - لا بأس - تفيد خلاف الأولى.

(2) جعفر بن أبي طالب، صحابي، هاشمي، لُقب بالطيار، لقوله صلى اللَّه عليه وسلم"دخلتُ الجنة، فرأيت جعفرًا، يطير مع الملائكة، وجناحاه مضرجان بالدم". أخو علي، وأسنّ منه، بعشر سنين، من السابقين للإسلام، هاجر إلى الحبشة، الهجرة الثانية، وبقي فيها حتى هاجر عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، فقدم عليه سنة 7 هـ وهو بخيبر. حضر موقعة"مؤتة"بالبلقاء، فنزل عن فرسه، وقاتل حتى وقع شهيدًا، وفي جسمه نحو تسعين طعنة، ورمية فعوضه اللَّه عن يديه جناحين في الجنة. أعلام بتصرف.

(3) ع 5 - 216، ع 1 - 603، هـ - 173 - 174 - 175 - 178.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت