[متن الكتاب] .
مطلب فيما يجوز بين المسلم، والحربي (1) :.
مطلب فيما يجوز بين المسلم، والحربي (1) :
أخذُ مالِ الحربي - بطريق القمار - لا بأس به (2) ، يعني إذا دخل المسلم دارَ الحرب بأمان، فلا بأس بأن يأخذ منهم أموالهم بطيب أنفسهم، بأي وجه كان، لأن أموالهم لا تصير معصومةً، بدخوله إليهم بأمان، ولكنه ضمن، بعقد الأمان، أن لا يخونَهم، فعليه التحرز عن الخيانة، وبأي سبب طَيّب أنفسهم، حين أخذ المال، فإنما أخذ المباح، على وجهٍ متَعرٍّ عَن الغدر، فيكون ذلك طيبًا له، الأسيرُ والمستأمَن في ذلك على سواء، حتى لو باعهم درهمًا بدرهمين، أو باعهم ميتة بدراهم، او أخذ منهم مالًا بطريق القمار، فذلك كلَُه طيَبٌ له، وبه يُعلم انه يجوز بين المسلم والحربي مالا يجوز بين المسلمين.
(1) قسّم جمهور فقهاء المسلمين الدنيا إلى دارين: - دار إسلام، ودار حرب. فدار الإسلام: هي كل ما دخل من البلاد في محيط سلطان الإسلام، ونفذت فيها أحكامه، وأقيمت شعائره. ودار الحرب: هي الدار التي لا تطبق فيها أحكام الإسلام الدينية، والسياسية، لوجودها خارج نطاق السيادة الإسلامية. والساكنون فيها هم الحربيون. اهـ آثار الحرب.
(2) والأصل فيه قوله عليه الصلاة والسلام:"لا ربا بين المسلم، والحربي، في دار الحرب". وهو حديث مرسل، مروي عن مكحول، وهو ثقة، مقبول الإرسال، ولأن أبا بكر رضي اللَّه تعالى عنه، قبل الهجرة، لما نزل قوله تعالى: {غلبت الروم ... } الروم 2 - قالت له قريش: ترون أن الروم تغلب؟ قال: نعم. فقالوا: هل لك أن تخاطرنا، أي تراهننا، فخاطرهم، وأخبر النبي صلى اللَّه عليه وسلم، فقال له: اذهب إليهم، فزد في الخطر، ففعل، وغلبت الروم فارسًا، فأخذ أبو بكر خطره، فأجازه عليه الصلاة والسلام - وهو القمار - وكانت مكة يومئذ دار شرك. اهـ فتح وس - 215 - ع 4 - 188.
وقال في در المختار، تعليقًا على قول صاحب الدر: ولا ربا بين حربي، ومسلم مستأمن، ولو (كان الربا بسبب) عقد فاسد (من غير الأموال الربوية، كبيع بشرط) - أو قمار، ثمة (أي في دار الحرب، لأنه لو دخل الحربي دارنا بأمان، فباع منه مسلم درهمًا بدرهمين، لا يجوز اتفاقًا) - لأن ماله ثمة مباح - قال: قال في فتح القدير: لا يخفى أن هذا التعليل (أي تعليل صاحب الدر بقوله في جواز الربا: لأن ماله مباح) إنما يقتضي حِلّ مباشرة العقد، إذا كانت الزيادة ينالها المسلم، والربا أعم من ذلك، إذ يشمل ما إذا كان الدرهمان - أي في بيع درهم بدرهمين - من جهة المسلم، ومن جهة الكافر. وجواب المسألة بالحل، عام في الوجهين. وكذا القمار، قد يفضي إلى أن يكون مال الخطر (المراهنة) للكافر، بأن يكون الغلب له. فالظاهر أن الإباحة (مقيّدة) بقيد نيل المسلم الزيادة، وقد ألزم الأصحاب في الدرس أن مرادهم من حِلّ الربا، والقمار، ما إذا حصلت الزيادة للمسلم، نظرًا إلى العلة، وإن كان إطلاق الجواب خلافه، واللَّه، سبحانه، أعلم بالصواب اهـ كلام الفتح.
قال ابن عابدين - في التعقيب على كلام الفتح: ويدل على ذلك ما في السير الكبير، وشرحه، حيث قال: وإذا دخل المسلم دار الحرب بأمان، فلا بأس بأن يأخذ منهم أموالهم، بطيب أنفسهم، بأي وجه كان، لأنه إنما أخذ المباح، على وجهٍ عري عن العذر، فيكون ذلك طيبًا له. والأسير، والمستأمن سواء، حتى لو باعهم درهمًا بدرهمين، أو باعهم ميتة بدراهم، أو أخذ مالًا منهم، بطريق القمار، فذلك كله طيب له اهـ ملخصًا، فانظر كيف جعل موضوع المسألة الأخذ من أموالهم برضاهم، فعلم أم المراد من الربا، والقمار، في كلامهم، ما كان على هذا الوجه، وإن كان اللفظ عامًا، لأن الحكم يدور مع علته غالبًا. اهـ كلام ابن عابدين، اهـ مح -.
قلت: ويتلخص مما سبق أنّ الجواز أخذ المسلم مال الحربي، في دار الحرب شروطًا، لا يحلُّ بدونها وهي:
أن يكون المسلم في دار الحرب، مستأمنًا، أو أسيرًا، بدليل قوله: دخل المسلم دار الحرب بأمان.
أن تكون الدار دار الحرب، لا دار الإسلام، فلا يصح أبدًا ذلك في دار الإسلام.
أن يكون أخذ المسلم المال من الحربي في داره، بطيب نفس الأخير، بعيدًا عن أي وجه من وجوه الغدر، والخيانة، والظلم، وما إلى ذلك ...
أن يتحقق المسلم حصول الزيادة له من المراباة، والقمار، وغير ذلك من وجوه التعامل عند الحربيين، بدليل أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم، لم يجز أبا بكر رضي اللَّه عنه، هذا الرهان، إلا استنادًا على تحقق ربح أبي بكر رضي اللَّه تعالى عنه، المبني على إخبار الحق سبحانه في صريح كتابه بأن الروم ستَغْلِب بعد أن غُلِبت، وخبر الحق سبحانه، الوارد على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام، واقع لا محالة، وهذا ما نص عليه في الفتح، والسير الكبير، كما رأينا.
وبناء على ذلك نقول: إن المقيمين اليوم من المسلمين، في بلاد الحرب (وفقًا للتعريف السابق لبلاد الحرب) لا يحلُّ لهم التعامل مع الحربيين، بأي شكل من الأشكال السابقة، إلا إذا تحقق الشرط الرابع. والملاحظ أن تحققه متعذر، لأن أموالنا، وإن حصل لنا منها زيادة، لكنها في الحقيقة، قوة نقوي بها أعداءنا، بحيث يرجح نفعهم منها، على نفعنا منها. هذا ما ظهر لي، قليحرر، واللَّه تعالى أعلم.