[متن الكتاب] .
مطلب فيما يؤكل من الحيوان، وما لا يؤكل: لا يؤكل من حيوان الماء إلاّ السمكُ خاصة، فإنه يحلّ أكله بسائر أنواعه، إلا ما طفا منه، وهو: الذي يموت حتف أنفه بلا سبب، ثم يعلو فوق الماء، وبطنُه من فوقُ، لم يؤكل، فلو ظَهْرُه من فوق، فإنه يؤكل، لأنه ليس بطافٍ ....
مطلب فيما يؤكل من الحيوان، وما لا يؤكل: لا يؤكل من حيوان الماء إلاّ السمكُ خاصة، فإنه يحلّ أكله بسائر أنواعه، إلا ما طفا منه، وهو: الذي يموت حتف أنفه بلا سبب، ثم يعلو فوق الماء، وبطنُه من فوقُ، لم يؤكل، فلو ظَهْرُه من فوق، فإنه يؤكل، لأنه ليس بطافٍ. وأما طير الماء فيؤكل كلَه.
والحيوان الذي يعيش في البر ثلاثة أنواع:
ما ليس له دم أصلًا - مثلُ الجرادِ، والزُّنْبور، والُّباب، والعنكبوت، والخُنْفَساء (1) ، والعقرب - لا يحل أكله، إلا الجرادَ خاصة.
وما ليس له دم سائل - مثل الحيةِ، والوَزَع، وسام أبرص (2) ، وجميع الحشرات، وهوامّ الأرض: من الفأر، والقُرَاد (3) ، والقنافذ (4) ، والضًّب (5) ، واليربوع (6) ، وابن عرس (7) ونحوها - ولا خلاف في حرمة هذه الأشياء، إلاّ في الضب، فإنه حلال عند الشافعي (8) رحمه اللَّه تعالى.
وما له دم سائل، وهو نوعان: مستأنس، ومتوحش.
أما المستأنس من البهائم - نحو الإبل، والبقر، والغنم - فيحل بالإجماع، ولا تحل البغالُ والحمر الأهلية، وفي الخيل اختلاف.
وأما المتوحش - نحو الظباء، وبقر الوحش، وحُمُر الوحش، وإبل الوحش - فحلال بإجماع المسلمين.
وأما المستأنس من السباع - وهو الكلبُ، والسّنور (9) الأهلي - فلا يحل، وكذلك المتوحشُ منها المسمى بسباع الوحش والطير، وهو: كلُّ ذي ناب من السباع، وكلُّ ذي مِخْلَب من الطير، والمراد من (ذي نابٍ) : الذي يصيد بنابه، ومن (ذي مخلب) : الذي يصيد بمخلبه، لا كلُّ ذي ناب ومخلب، فإن الحمامة لها مخلب، والبعير له ناب.
فذو الناب من سباع الوحش: مثلُ الأسد، والذئب، والضبع، والنَّمر، والفهد، والثعلب، والسنور البري، والسُّنجاب (10) ، والفَنَك (11) ، والسَّمُّور (12) ، والدلق (13) ، والدب، والقرد، والفيل ونحوها، فلا خلاف في هذه الجملة أنها محرمة، إلا الضبع، فإنه حلال عند الشافعي (14) رحمه اللَّه تعالى. ولا بأس بأكل الأرانب.
وذو المخلب من الطير - كالبازي (15) ، والباشق (16) ، والشاهين (17) ، والحدأة (18) ، والبغاث (19) ، وما أشبه ذلك - فيدخل تحت نهي النبي صلى اللَّه عليه وسلم عن كل ذي مخلب من الطير.
وما لا مِخْلَب له من الطير: فالمستأنس منه - كالدجاج، والبط - والمتوحش - كالحمام، والفاختة (20) ، والعصافير، والقَبَج (21) ، والكُرْكِي (22) ، والغراب يأكل الحب والزرع، والعقْعق (23) ونحوها - حلالٌ بالإجماع، كذا في البدائع (24) قال في غرر الأفكار (25) : عندنا يؤكل الخُطّاف (26) ، والبوم، ويكره الصُّرَد (27) ، والهدهد (28) ، وفي الخُفّاش (29) اختلاف، وأما الدُّبْسِي (30) ، والصلصل، والعقعق (31) ، واللَّقْلَق (32) ، واللحام، فلا يستحب أكلها - ولإن كانت في الأصل حلالًا - لتعارف الناس بإصابة آفة لآكلها، فينبغي أن يتحرز عنه (33) .
وحرّم الإمام الشافعي (34) الخطّاف، والبَبّغاء (35) والطاووس (36) والهدهد (37) .
ويكره أكل لحك الإبل، والبقر، وغيرها من الجلاّلة (38) (التي لا تأكل إلا النجاسات والجلة) ، إلا بعد حبسها إلى أن تزول عنها الرائحة الكريهة، أمّا إذا كانت تُخلِّط، ولا يظهر في لحمها، فلا بأس بأكلها - كالدجاج -.
وحل أكل جَدْي غذي بلبن خنزير، لأن لحمه لا يتغير. ولو سُقي ما يؤل لحمه خمرًا، فذبح من ساعته، حلّ أكله، ويكره.
ويحرم من أجزاء الحيوان المأكول: الدّم المسفوح، والَّكرُ والانثيان، والقُبل، والغُدّة، والمثانة، والمرارة.
لا يجوز أكل ذبيحة ذبحت لقدوم الأمير، تعظيمًا له، ولو (39) ذُكر اسمُ اللَّه تعالى عليها. وإن قصد الإكرام تحل. ولا يجوز أكل ذبيحةِ مرتدٍ، وتارك تسمية عمدًا. لا يجوز أكل جَنينٍ ميت، خرج من بطن ذبيح. ولو خرج حيًا، يذبح ويؤكل. لا يجوز أكل دود الجبنِ، والفاكهة إذا أفردت، لأنها كالذباب والخنفساء (40) ، أما ما لا يفرد من دود الجبنِ والفاكهة - كما إذا أكلها مع الطعام، أو لم يكسرها، أي الفاكهة، فإن الاحتراز عنها غيرُ ممكن - فلا بأس، أما إذا طبخ دود اللحم في المرق، وتفسخ فيه فلا يؤكل - كَضِفْدِع (41) تفتت في الماء - فإنه لا يشرب، ولو يتفسخ يؤكل. ودودُ الزُّنْبور (42) والقَزّ (43) ، قبل أن ينخ فيه الروح لا بأس به، وكره أكل بيوت الزنابير. يحرم أكل لحم انتن (44) . وتحلُّ ذبيحة كتابي ذمي، أو حربي، لقوله تعالى {وطعامُ الذين أوتوا الكتابَ حِلٌّ لكم} (45) . والمراد به: مذكاتهم، لأن مطلق الطعام، غير المذكى، يحل من أي كافر (46) .وذكاة ما لا يؤكل تُطهر لَحمه، وشحمه، وجلده، حتى ولو وقع في الماء القليل لا يفسده، إلا الخنزير، فإنه لا يطهر، لأن كل أجزائه نجسة، وهل يجوز الانتفاع به في غير الأكل (47) ؟ قيل: لا يجوز اعتبارًا بالأكل، وقيل: يجوز، كالزيت إذا خالطه ودَاك الميتة (48) ، والزيتُ (49) غالب لا يؤكل، ويُنتفع به في غير الأكل.
وبالاصطياد يطهر لحمُ غيرِ نجسِ العين، وجلده، وقيل: يطهر جلده لا لحمه، وهذا أصح ما يفتى به. وحل اصطياد ما يؤكل لحمه، وما لا يؤكل، لمنفعة جلده، أو شعره، او ريشه، أو لدفع شره. وكلُّه مشروع لإطلاق النص (50) .
(1) الخُنْفَس، والخُنْفَساء، والخُنْفَساءة، جمع خنافس: دويبّة سوداء، أصغر من الجعل، كريهة الرائحة. اه منجد.
(2) هو - أبو بريص - بلغة العامة. والوزع: جمعوَزَغَة - مُحَركة - سام أبرص، سميت كذلك لخفتها. قاموس.
(3) القُرَاد: جمع قُرْدَة، وقَرادة: دويبّة تتعلق بالبعير، ونحوه، وهي كالقمل للإنسان. منجد.
(4) القُنفذ: جمع قنافذ، والأنثى: قُنفذة: دويبّة من فصيلة القنفذيات، أعلاها مغطى بريش حاد، تقي به نفسها، إذ تجتمع مستديرة، تحته، وتسدد رؤوسه عندما تكون مهددة، تختبئ في النهار، وتكثر الذهاب، والإياب في الليل، توجد منها أنواع عديدة اهـ منجد.
(5) الضب: ج أضُبّ، وضُبّان، وضِباب، ومضبة: حيوان من الزحّافات، شبيه بالحرذون، ذنبه كثير العقد. منجد.
(6) اليربوع: جمع يرابيع - نوع من الفأر، قصير اليدين، طويل الرجلين. منجد.
(7) ابن عِرس: (بالكسر) دُوَيبّة معروفة، دون السِّنّور، تشبه الفأر بعض الشبه، لها ناب، أشتر، أصلم، أسكّ، مستطيل الجسم، تفتك ببيوت الدجاج، والحمام. والشتر: انقلاب في جفن العين، من أعلى، وأسفل، وانشقاقه، أو استرخاء أسفله. والصلم، قطع الأذن، والأنف من أصله، والسكك: محركة:الصمم، وصغر الأذن، ولزوقها بالرأس، وقلة إشارفها اهـ التاج، والقاموس، ومختار الصحاح، والمنجد.
(8) محمد بن إدريس بن العباس، بن عثمان شافع الهاشمي، القرشي، المطلبي، أبو عبد اللَّه، أحد الأئمة الأربعة، ولد في غزة عام (150 ه - 767 م) بفلسطين، وحمل منها إلى مكة، وهو ابن سنتين، وتوفي في مصر سنة (204 هـ - 820 م) وقبره معروف في القاهرة، كان أشعر الناس، وآدبهم، وأفقههم، وأقرأهم، وأحذقهم بالرمي، أفتى وهو ابن عشرين سنة، وكان ذكيًا مفرطًا. له تصانيف كثيرة، أشهرها: الأم، والمسند في الحديث، وأحكام القرآن، والسنن، والرسالة في الأصول. اهـ أعلام بتصرف.
(9) السنور: الهِرّ، جمع سنانير. اهـ منجد.
(10) السُّنجاب: (بالكسر، والضم) : حيوان أكبر ن الجُرذ، له ذنب طويل، كثيف الشعر، يرفعه صعدًا، يتسلق الشجر بسرعة، ويضرب به المثل في خفة الصعود، تتخذ منه الفِراء، لونه أزرق رمادي. اهـ منجد.
(11) الفَنَك: حيوان صغير من فصيلة الكلبيات، شبيه بالثعلب، لكنّ أذنيه كبيرتان، لا يتجاوز طوله أربعين سنتيمترًا، مع الذنب، فروته من اعظم الفراء، معروف في مصر. اهـ منجد.
(12) السَّمُّور: جمع سمامير: حيوان بري، يشبه ابن عِرس، وأكبر منه، لونه أحمر، مائل إلى السواد، تتخذ من جلده فراء ثمينة. اهـ منجد.
(13) الدَّلق: في حجم السِّنور، أصفر اللون، بطنه، وعنقه مائلان إلى البياض. اهـ منجد.
(14) انظر حاشية رقم 8 من صفحة رقم - 26 - .
البازي: طير من الجوارح، له أنواع كثيرة، منجد.
(15) الباشق: طائر من أصغر الجوارح، منجد.
(16) الشاهين: طائر من جنس الصقر، طويل الجناحين، منجد.
(17) الحِدأة: طائر من الجوارح، تسميه العامة الشوحة، منجد.
(18) البغاث: مثلث الباء: شرار الطير، وما لا يصيد منها، وهو اسم للذكر، والأنثى. مختار الصحاح.
(19) الفاختة: نوع من الحمام البري، المطوق، والفاختة من الفخت، وهو ظل القمر، ولونها كذلك. منجد.
(20) القَبج: طائر يشبه الحجل (مُعرّب كبك بالفارسية) والقبجة: تطلق على الذكر والأنثى. منجد.
(21) الكُرْكي: جمع كراكي: طائر كبير، من فصيلة الكركيّات، ورتبة طوال الساق، أغبر اللون، طويل العنق، والرجلين، أبتر الذنب، قليل اللحم، يأوي أحيانًا إلى الماء. منجد.
(22) العقعق: طائر على شكل الغراب، أو هو الغراب: والعامة تسميه العقق، و كانت العرب تتشاءم به. منجد.
(23) كتاب بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، لأبي بكر بن مسعود بن أحمد، علاء الدين، ملك العلماء، شرح بكتابه البدائع تحفة الفقهاء للسمرقندي، علاء الدين محمد السمرقندي، الذي أخذ عنه العلم، وعن أبي اليسر البزودي، وعن أبي المعين ميمون المكحولي، وعن مجد الأئمة السرخكي وله كتاب: السلطان المبين في أصول الدين، تفقه عليه ابنه محمود، وأحمد بن محمود الغزنوي، صاحب المقدمة الغزنوية، توفي في عاشر رجب سنة (578 هـ) ، ودفن بظاهر حلب عند قبر زوجته فاطمة، ابنة صاحب التحفة، الفقيهة، العالمة، والدعاء عند قبريهما مستجاب، وفاطمة هذه كانت من حسان النساء، تحفظ التحفة، لأبيها، وقد طلبها جماعة وزوجه ابنته، وجعل مهرها منه ذلك. وكاسان ويقال قاسان: بلد كبير بتركستان، خلف سيحون، وأهلها يقولون: كاسان. كانت من محاسن الدنيا، خرجت باستيلاء الترك عليها. الفوائد البهية. وهـ - 35 - .
(24) غرر الأفكار، شرح جواهر البحار، لأبي عبد اللَّه، شمس الدين، محمد بن يوسف بن إلياس القونوي، المتوفي سنة (788 هـ - 1386 م) ، عالم فاضل، كامل، جامع للفروع، والأصول، مبرز في المعقول، والمنقول، إمام أهل زمانه علمًا، وعملًا مصنفاته تدل على غزارة علمه، ودقيق فهمه، منها: شرح تلخيص المفتاح، وشرح مجمع البحرين، واختصر المفصل للزمخشري، ودرر البحار، جمع فيه بين: - مجمع البحرين في الفقه الحنفي، وبين مذهب ابن حنبل، والشافعي، ومالك، وله كذلك شرح عمدة النسفي، في أصول الدين، وغير ذلك. اهـ الفوائد البهية، وفهرس مخطوطات الفقه الحنفي، وكشف الظنون.
(25) الخُطاف: طائر يشبه السنون، طويل الجناحين، قصير الرجلين، أسود اللون. منجد.
(26) الصُّرد: طائر ضخم الرأس، أبيض البطن، أخضر الظهر، يصطاد صغار الطير. منجد.
(27) الهدهد: طائر ذو خطوط، وألوان كثيرة، يقولون: أبصر من هدهد، لأنه يرى الماء تحت الأرض. منجد.
(28) الخُفّاش: الوطواط. منجد.
(29) الدُّبس: طائر صغير، أدكن (مائل إلى السواد) يقرقر، ويقال: إنه ذكر الحمام، منسوب إلى طيردبس الرطب. تاج العروس.
(30) انظر صفحة - 28 - حاشية رقم - 9 - .
(31) اللقلق: طائر طويل العنق، والرجلين، يأكل الحيات، ويوصف بالذكاء، والفطنة. منجد.
(32) ولمزيد البيان، ارجع إلى رسالة: فتوى الخواص، في حل ما صيد بالرصاص، لمفتي دمشق في زمانه، المرحوم أفندي حمزة، فقد بين فيها ما يحل من الحيوان، وما لا يحل، وكذلك الهدية العلائية، وتعليقاتها.
(33) مرت ترجمته في صفحة - 26 - .
(34) الببغاء: طائر اخضر، يسمع كلام الناس، فيعيده، وهو اسم للذكر والأنثى، وهو بسكون الباء الثانية، وقد تشدد. قاموس - منجد.
(35) الطاووس: طائر حسن الشكل، حاد الصوت، له عنق طويل، ورأس صغير، تزينه قنبرة. منجد.
(36) ع 5 - 194 - .
(37) الجَلاّلة: البقرة التي تتبع النجاسات. والجلة (مثلثة) : البَعَر، أو البَعَرَة، أو الذي لم ينكسر. وجَلّ البَعَر: جمعه بيده. قاموس.
(38) لو - هنا - وصلية.
(39) انظر حاشية رقم - 1 - صفحة - 26 - .
(40) الضفدع: الواحدة: ضِفدِعة، وهي دابة مائية، معروفة، تتغذى بالحشرات، والسمك الصغيرة. منجد.
(41) حشرة، لونها أصفر، وأسود، يستدق جسمها بين الصدر والبطن، منها الأجناس الكبيرة، فلسعتها مؤلمة، والأجناس الصغيرة، كالزرقطة، تبني أعشاشها على الجدران، وعلى أغصان الأشجار. منجد.
(42) دود القز: دود الحرير.
(43) هـ - 180 - 182 - .
(44) المائدة - 5 - .
(45) م 2 - 489. والمقصود من الطعام غير المذكى: مطلق الطعام غير اللحم المذبوح.
(46) انظر صفحة (88) من هذا الكتاب.
(48) الوَدَك: الدسم من اللحم، ولعله الدهن. مختار الصحاح.
(49) الواو: حالية، أي والحال أن الزيت أكثر من وَدَك الميتة.
(50) وهو قوله تعالى: {أحل لكم صيد البحر، وطعامه متاعًا لكم، وللسيارة ... } (المائدة: 96) - وانظر 5 - 195 - 305 - .