الصفحة 318 من 402

[متن الكتاب] .

الباب الخامس في الأخلاق، والصفات الذميمة، وغوائلها.

مطلب في الرضا، والتسليم:.

مطلب في الرضا، والتسليم:

وضدُّه: الرضا، وهو: طِيب النفس فيما يصيبه، ويَفُوته، مع عدم التغير، والتسليمُ، وهو: الانقياد لأمر اللَّه تعالى، وترك الاعتراض فيما لا يلائم طبعه، وجاء في الحديث القدسي، قال اللَّه تعالى:"من لم يَرضَ بقضائي، ولم يصبرْ على بلائي، فليلتمسْ ربًا سواي" (1) . أي يعبده، ولم يجد ذلك، فلا محيص له عن الرضا، والصبرِ على كل حال، قال الْمُناوي (2) (رحمه اللَّه تعالى) : وكم يترتب على الضّراء من عواقبَ حميدة، ومواهبَ كريمة، يستحق اللَّه تعالى الحمدَ عليها، قال تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} (3) . قال الإمام الغزالي (4) (رحمه اللَّه تعالى) : لا شدة إلاّ وفي جنبها نعم اللَّه تعالى، فليلزم الحمد، والشكر على تلك النعم المقترنة بها، وقال عمر (5) رضي اللَّه عنه: (ما ابتليتُ ببليةٍ إلاّ للَّه عليَّ فيها أربعُ نعم: إذ لم تكن في ديني، وإذ لم أحرم الرضا، وإذ لم تكن اعظم، وإذ رجوت الثواب عليها) ، وقال إمام الحرمين (6) : شدائد الدنيا، مما يلزم الشكر عليها، لأنها نِعَمٌ في الحقيقة، بدليل أنها تُعَرّض العبد لمنافع عظيمة، و مثوبات جزيلة، وأغراضٍ كريمة، تتلاشى في جنبها مشقات الشدائد. وذُكر أيضًا عن العارف الجيلاني (7) قُدّس سره: أنّ التلذذ بالبلاء من مقامات العارفين، لكن لا يعطيه اللَّه سبحانه لعبد إلاّ بعد بذله الجهد في مرضاته، فإنّ البلاء تارةً يكون مقابلةً بجريمة، وتارة تكفيرًا، وتارة رفعًا للدرجات، وتبليغًا للمنازل العالية، ولكلٍّ منها علامة، فعلامة الأول: عدم الصبر عند البلاء، وكثرة الجزع والشكوى للخلق، وعلامة الثاني: الصبر، وعدمُ الشكوى، والجزع، وخفةُ الطاعة على بدنه، وعلامة الثالث: الرضا والطمأنينة، وخفة العمل على البدن والقلب. قال صلى اللَّه عليه وسلم:"مَنْ أَحبَّ أن يعلم منزلته عند اللَّه تعالى، فلينظر منزلةَ اللَّه تعالى عنده، فإنّ اللَّه تعالى يُنزل العبدَ منه، حيث أنزله العبدُ من نفسه" (8) ، لأنه الملك الديان، يَدين كما يدان. وقال صاحب الْحِكم (9) (رحمه اللَّه تعالى) : (من ظنَّ انفكاك لطفه عن قَدَره، فذاك لقصور نظره) .

(1) رواه الطبراني في الكبير، وابن حيان، عن أبي هند الداري، عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال: قال اللَّه تعالى ... الحديث.

(2) محمد عبد الرؤوف ابن تاج العارفين، ابن علي بن زين العابدين، الحدادي، ثم المناوي، القاهري، زين الدين، من كبار العلماء بالدين، والفنون. انزوى للبحث، والتصنيف. كان قليل الطعام، كثير السهر، فمرض، وضعفت أطرافه، فاستملى منه ولده تاج الدين محمد تآليفه، له نحو (80) مصنفًا، مولده عام (952 ه - 1545 م) ، عاش في القاهرة، وتوفي بها سنة (1031 ه - 1622 م) . من كتبه: التيسير في شرح الجامع الصغير، ومنه أخذ كلامه. أعلام، بتصرف.

(3) (البقرة: 216) .

(4) انظر ترجمته في صفحة - 103 -

(5) انظر ترجمته في صفحة - 39 -

(6) عبد الملك بن عبد اللَّه بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين. أعلم المتأخرين، من أصحاب الشافعي. ولد في جوين (من نواحي نيسابور) عام (419 ه - 1028 م) ، ورحل إلى بغداد، فمكة، إذ جاور فيها أربع سنين، وذهب إلى المدينة، فأفتى، ودرّس، جامعًا طرق المذهب، ثم عاد إلى نيسابور، فبنى له الوزير نظام الملك"المدرسة النظامية"فيها. وكان يحضر دروسه أكابر العلماء. توفي في نيسابور سنة (478 ه - 1085 م) .أعلام.

(7) عبد القادر بن موسى بن عبد اللَّه بن جنكي دوست، الحسني، أبو محمد، محي الدين الجيلاني، أو الكيلاني، أو الجيلي، مؤسسة الطريقة القادرية، من كبار الزهاد، والمتصوفين، ولد في جيلان (وراء طبرستان) عام (471 ه - 1078 م) ، وانتقل إلى بغداد شابًا سنة /488 ه/ فاتصل بشيوخ العلم، والتصوف، وبرع بأساليب الوعظ، وتفقه، وسمع الحديث، قرأ الأدب، وكان يأكل من عمل يده، وتصدر للتدريس والإفتاء في بغداد عام 528 ه - وتوفي بها سنة (561 ه - 1166 م) .أعلام.

(8) رواه الحاكم عن جابر رضي اللَّه عنه.

(9) ابن عطاء اللَّه الإسكندري، أحمد بن محمد عبد الكريم، أبو الفضل، تاج الدين، متصوف، شاذلي، من العلماء. توفي سنة (709 ه - 1309 م) . من تصانيفه: الحكم العطائية. أعلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت