من المعلوم المتّفق عليه الوارد في النصوص الكثيرة (14) قوله صلى الله عليه وسلم: «الذهب بالذهب، والفضّة بالفضّة . . . (15) مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد، فإن اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كانت يدًا بيد» .
ووقع خلاف بين العلماء في علّة الربا في الذهب والفضّة، والخلاف واقع بينهم في باقي الأصناف المذكورة في الحديث على وجه أظهر وأشد، ولست بصدد النقل والتفصيل في ذلك (16) ، ولكنني أجتزئ على ما يخص موضوعنا،
فأقول وبالله -سبحانه وتعالى- أصول وأجول:
إنّ مسألة الربويات الست لا بدّ من خضوعها لمبحث (تحقيق المناط) ، فالست خصّت لحكمة إلهيّة بلا أدنى ريب، وهذه الحكمة لم يكشفها الشرع لنا، لكنّها ضبطت بضوابط عامّة رآها الفقهاء في زمانهم صالحة لنمط حياتهم، على خلاف يسير من حيث الواقع في التنزيل والردّ، مع إحكام أصول المسألة.
ولكنّ الناظر في جزئيّاتها يجد متفرقات جمعت بناءً على هذه القاعدة، وهي لا تستحق هذا الجمع؛ فإلحاق الخشب على الذهب بجامع الوزن، أو الدواء على القمح بجامع الطعم، أو الحِنَّاء على البُر بجامع الكيل؛ لا يستقيم!
والذي أراه -والله أعلم-: إن الإلحاق بهذه الأصناف الست المذكورة في الحديث لا بجامع العلّة، وإنّما بجامع تحقيق -أو ترجح- نفي الفارق المؤثر بينها وبين ما شابهها.
قال العلامة الشنقيطي في «المذكرة» (ص249) : «الإلحاق من حيث هو ضربان:
الأول: الإلحاق بنفي الفارق.
والثاني: الإلحاق بالجامع.
وضابط الأول أنّه لا يُحتاج فيه إلى التعرض للعلة الجامعة، بل يُكتفى فيه بنفي الفارق المؤثر في الحكم».
ويعجبني -غايةً- في هذا الموضوع كلام ابن رشد في أوائل «بداية المجتهد» : «فمثال القياس: إلحاق شارب الخمر بالقاذف في الحدِّ، والصداق بالنّصاب في القطع.