الصفحة 13 من 22

ولا بدَّ من التنبيه على أنّ هذا المسلك فيه (تحقيق المناط) في الربويات، على وجه لا يعارض المقرر عند الفقهاء الكبار الثقات، ومنه يظهر حرمة بيع الأوراق النقديّة نسيئة بزيادة، وأن الربا يلحقها ويجري فيها، كالذهب والفضة سواء بسواء.

رابعًا: فصّل بعضُ أهل العلم المتأخّرين (20) الحكمة من ذلك بكلام بديع غايةً؛ فقال: «الحكمة التي خلق الله الذهب والفضّة لأجلها هي: أنّ قِوام الدنيا بهما، وهما حجران لا منفعة في أعيانهما، إذ لا يَرُدَّان حَرًّا ولا بردًا، ولا يُعذّبان جسمًا، والخلق -كلّهم- محتاج إليهما، من حيث إنّ كلّ إنسان محتاج إلى أشياء كثيرة في مطعمه وملبسه، وقد لا يملك ما يحتاج إليه، ويملك ما يستغني عنه؛ كمن يملك القمح -مثلًا- وهو محتاج إلى فرس، والذي يملك الفرس قد يستغني عنه ويحتاج إلى البُرّ، فلا بدّ بينهما من معاوضة، ولا بدّ من تقدير العِوض؛ إذا لا يُعطي صاحب الفرس فرسه بكل مقدار البرّ، ولا مناسبة بين البُر والفرس حتى يقال: يُعطي منه مثله في الوزن! أو الصورة! فلا يدري: أنّ الفرس كم يساوي بالبُرّ.

فتتعذر المعاملات في هذا المثال -وأشباهه-؛ فاحتاج الناس إلى متوسط، يحكم بينهم بالعدل؛ فخلق الله الذهب والفضّة حاكمين بين الناس في جميع المعاملات؛ فيُقال: هذا الفرس يسوى مئة دينار، وهذا القدر من البُرّ يسوى مثله.

وإنّما كان التعديل بالذهب والفضّة؛ لأنه لا غرض في أعيانهما، وإنما خلقهما الله لتتداولهما الأيدي، ويكونا حاكمَين بالعدل.

ونسبتهما إلى جميع الأموال نسبة واحدة؛ فمن ملكهما كأنه مَلَكَ كلّ شيء، ومن ملك فرسًا -مثلًا-؛ فإنّه لم يملك إلا ذلك الفرس، فلو احتاج إلى طعام، ربما لم يرغب صاحب الطعام في الفرس؛ لأنّ غرضه في ثوب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت