بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة رجلًا. فاستقبل النَّبي صلى الله عليه وسلم القبلة ثم مد يده فجعل يعتف بربه: «اللهم أنجز لي ما وعدتني. اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض» فما زال يهتف بربه مادًا يديه مستقبل القبله حتى سقط رداؤه عن منكبيه. فأتاه أبو بكر فأخذ رداؤه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي الله! كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله عز وجل: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فاستجاب لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الملائكة مُرْدِفِينَ} [الأنفال: 9] فأمده الله بالملائكة. . الحديث. ومحل الشاهد منه قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تعبد في الأرض» فعل سياق النفي فهو بمعنى: لا تقع عبادة لك في الأرض، لأن الفعل ينحل عن مصدر وزمن عند النحويين. وعن مصدر ونسبة وزمن عند كثير من البلاغيين. فالمصدر كامن في مفهومه إجماعًا، فيتسلط عليه النفي فيؤول إلى النكرة في سياق النفي، وهو من صيغ العموم كما تقدم إيضاحه في سورة «بني إسرائيل» وإلى كون الفعل في سياق النفي والشرط من صيغ العموم أشار في مراقي السعود بقوله عاطفًا على ما يفيد العموم:
ونحو لا شربت أو إن شربا ... واتفقوا إن مصدر قد جلبا
فإذا علمت أن معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «إن تهلك هذه العصابة لا تبعد في الأرض» أي لا تقع عبادة لك في الأرض.
فاعلم أن ذلك النفي يشمل بعمومه وجود الخضر حيًا في الأرض، لأنه على تقدير وجوده حيًا في الأرض فإن الله يعبد في الأرض. ولو على فرض هلاك تلك العصابة من أهل الإسلام. لأن الخضر ما دام حيًا فهم يعبد الله في الأرض. وقال البخاري في صحيحه: حدثني محمد بن عبد الله بن حوشب حدثنا عبد الوهاب، حدثنا خالد عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال النَّبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر:
«اللهم أنشدك عهدك ووعدك. اللهم إن شئت لم تعبد في الأرض» فأخذ أبو بكر بيده فقال: حسبك! فخرج وهو يقول: «سيهزم الجمع ويولون الدبر» فقوله صلى الله عليه وسلم في هذه الحديث: «اللهم إن شئت لم تبعد في الأرض» أي إن شئت إهلاك هذه الطائفة من أهل الإسلام لم تعبد في الأرض. فيرجع معناه إلى الرواية التي ذكرنا عن مسلم في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وقد بينا وجه الاستدلال بالحديث عن وفاة الخضر.
الثالث - إخباره صلى الله عليه وسلم بأنه على راس مائة سنة من الليلة التي تكلم فيها بالحديث لم يبق على وجه الأرض أحد ممن هو عليها تلك الليلة، فلو كان الخضر حيًا في الأرض لما تأخر بعد المائة المذكورة. قال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: حدثنا محمد بن رافع. وعبد بن حميد، قال محمد بن رافع: حدثنا، وقال عبد: أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري، أخبرني سالم بن عبد الله وأبو بكر بن سليمان: أن عبد الله بن عمر قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة صلاة العشاء في آخر حياته. فلما سلم قال فقال: «أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن على راس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهرها أحد» قال ابن عمر: فوهل الناس في مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك فيما يتحدثون من هذه الأحاديث عن مائة سنة. وإنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «