الثانية - أنا لو فرضنا أنه لا يراه بنو آدم، فالله الذي أعلم النَّبي بالغيب الذي هو «هلاك كل نفس منفوسة في تلك المائة» عالم بالخضر، وبأنه نفس منفوسة. ولو سلمنا جدليًا ان الخضر فرد نادر لا تراه العيون. وأن مثله لم يقصد بالشمولي في العموم - فاصح القولين عند علماء الأصول شمول العام والمطلق للفرد النادر والفرد غير المقصود. خلافًا لمن زع أن الفرد النادر وغير المقصود لا يشملهما العام ولا المطلق.
قال صاحب جمع الجوامع في «مبحث العام» ما نصه: والصحيح دخول النادرة وغير المقصودة تحته. فقوله: «النادرة وغير المقصودة» ، يعني الصورة النادرة وغير المقصودة. وقوله: «تحته» يعني العام. والحق أن الصورة النادرة، وغير المقصودة صورتان لا واحدة، وبينهما عموم وخصوص من وجه على التحقيق.
لأن الصورة النادرة قد تكون مقصودة وغير مقصودة. والصورة غير المقصودة قد تكون نادرة وغير نادرة. ومن الفروع التي تبنى على دخول الصورة النادرة في العام والمطلق وعدم دخولها - فيهما اختلاف العلماء في جواز دفع السبق - بفتحتين - في المسابقة على الفيل. وإيضاحه - أنه جاء في الحديث الذي رواه اصحاب السنن والإمام أحمد م حديث أبي هريرة أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر» ولم يذكر فيه ابن ماجه «أو نصل» والفيل ذو الخف، وهو صورة نادرة. فعلى القول بدخول الصورة النادرة في العام يجوز دفع السبق - بفتحتين - في المسابقة على الفيلة. والسبق المذكور هو المال المجعول للسابق. وهذا الحديث جعله بعض علماء الأصول مثالًا لدخول الصورة النادرة في المطلق لا العام. قال: لأن قوله: «إلا في خف» نكة في سياق الإثبات. لأن ما بعد «إلا» مثبت، والنكرة في سياق الإثبات إطلاق لا عموم. وجلعه بعض أهل الأصول مثالًا لدخول الصورة النادرة في العام.
قال الشيخ زكريا: وجه عمومه مع أنه نكرة في الإثبات أنه في حيز الشرط معنى، إذا التقدير: إلا إذا كان في خف. والنكرة في سياق الشرط تعم، وضابط الصورة النادرة عند أهل الأصول هي: أن يكون ذلك الفرد لا يخطر غالبًا ببال المتكلم لندرة وقوعه. ومن أمثلة الاختلاف في الصورة النادرة: هل تدخل في العام والمطلق أولًا - اختلاف العلماء في وجوب الغسب من خروج المني الخارج بغير لذة، كما تلدغه عقرب في ذكره قينزل منه المني. وكذلك الخارج بلذة غير معتادة؛ كالذي ينزل في ماء حار، أو تهزه دبة فينزل منه المني فنزول المني بغير لذة، أو بلذة غير معتادة صورة نادرة، ووجوب الغسل منه يجري على الخلاف المذكور في دخول الصور النادرة في العام والمطلق وعدم دخولها فيهما. فعلى دخول تلك الصورة النادرة في عموم «إنما الماء من الماء» فالغسل واجب، وعلى العكس فلا. ومن أمثلة ذلك في المطلق ما لو أوصى رجل براس من رقيقه، فهل يجوز دفع الخنثى أولًا. فعلى دخول الصورة النادرة في المطلق يجوز دفع الخنثى، وعلى العكس فلا. ومن أمثلة الاختلاف في دخول الصورة غير المقصودة في الإطلاق. ما لو وكل آخر على أن يشتري له عبدًا ليخدمه، فاشترى الوكيل عبدًا