الصفحة 12 من 119

وانبذها وراءك، فإنها ليست لك بدار، ولا لك فيها محل قرار، وإنما جعلت بلغة للعباد والتزود منها ليوم المعاد، ورض نفسك على الصبر تخلص من الإثم.

يا موسى تفرغ للعلم إن كنت تريده، فإنما العلم لمن تفرغ له، ولا تكن مكثارًا للعلم مهذارًا، فإن كثرة المنطق تشين العلماء، وتبدي مساوي السخفاء، ولكن عليك بالاقتصاد، فإن ذلك من التوفيق والسداد، وأعرض عن الجهال وماطلهم، واحلم عن السفهاء، فإن ذلك فعل الحكماء، وزين العلماء.

إذا شتمك الجاهل فاسكت عنه حلمًا، وجانبه حزمًا، فإن ما بقي من جهله عليك وسبه إياك أكثر وأعظم، يا ابن عمران ولا ترى أنك أوتيت من العلم إلا قليلًا، فإن الاندلاث والتعسف من الاقتحام والتكلف.

يا ابن عمران: لا تفتحن بابًا لا تدري ما غلقه، ولا تغلقن بابًا لا تدري ما فتحه.

يا ابن عمران: من لا ينتهي من الدنيا نهمته، ولا تنقضي منها رغبته، ومن يحقر حاله، ويتهم الله فيما قضى له كيف يكون زاهدًا. هل يكف عن الشهوات من غلب عليه هواه؟ أو ينفعه طلب العلم والجهل قد حواه؟ لأن سعيه إلى آخرته وهو مقبل على دنياه.

يا موسى تعلم ما تعلمت لتعمل به، ولا تعلمه لتحدث به، فيكون عليك بواره، ولغيرك نوره.

يا موسى بن عمران: اجعل الزهد والتقوى لباسك، والعلم والذكر كلامك، واستكثر من الحسنات، فإنك مصيب السيئات، وزعزع بالخوف قلبك، فإن ذلك يرضى ربك، واعمل خيرًا فإنك لا بد عامل سوء، قد وعظت إن حفظت. قال: فتولى الخضر، وبقي موسى محزونًا مكروبًا يبكي.

لا يصح هذا الحديث، وأظنه من صنعة زكريا بن يحيى الوقاد المصري، كذبه غير واحد من الأئمة، والعجب أن الحافظ ابن عساكر سكت عنه.

وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: حدثنا سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني، ثنا عمرو بن إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الحمصي، حدثنا محمد بن الفضل بن عمران الكندي، حدثنا بقية بن الوليد، عن محمد بن زياد، عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه:

(( ألا أحدثكم عن الخضر؟ ) ).

قالوا: بلى يا رسول الله. (ج/ص: 1/ 385)

قال: (( بينما هو ذات يوم يمشي في سوق بني إسرائيل أبصره رجل مكاتب.

فقال: تصدق عليّ بارك الله فيك.

فقال الخضر: آمنت بالله ما شاء الله من أمر يكون، ما عندي من شيء أعطيكه.

فقال المسكين: أسألك بوجه الله لما تصدقت علي، فإني نظرت إلى السماء في وجهك ورجوت البركة عندك.

فقال الخضر: آمنت بالله ما عندي من شيء أعطيكه إلا أن تأخذني فتبيعني.

فقال المسكين: وهل يستقيم هذا؟

قال: نعم الحق أقول لك، لقد سألتني بأمر عظيم، أما أني لا أخيبك بوجه ربي بعني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت