فهرس الكتاب
السلام بقي في البحر حين ركب غيره السفينة ولعلهم إنما لم يقولوا ذلك لأن ما ذكر قد روى قريبًا منه الحرث بن أبي أسامة في مسنده عن أنس مرفوعًا ولفظه: «إن الخضر في البحر والياس في البر يجتمعان كل ليلة عند الردم الذي بناه ذو القرنين» الخبر، وقد قالوا: إن سنده واه أو لأنهم لا يثبتون له هذه الخدمة الإلهية في ذلك الوقت، ويوشك أن يقولوا في إعطائه قوة التشكل والكون في الهواء كذلك. وعن الثالث بأنه لا نسلم الاتفاق على أنه مات كل أهل السفينة ولم يبق بعد الخروج منها غير نسل نوح عليه السلام والحصر في الآية إضافي بالنسبة إلى المكذبين بنوح عليه السلام. وأيضًا المراد أنه مات كل من كان ظاهرًا مشاهدًا غير نسله عليه السلام بدليل أن الشيطان كان أيضًا في السفينة. وأيضًا المراد من الآية بقاء ذريته عليه السلام على وجه التناسل وهو لا ينفي بقاء من عداهم من غير تنال ونحن ندعي ذلك في الخضر.
على أن القول بأنه كان قبل نوح عليهما السلام قول ضعيف والمعتمد كونه بعد ذلك ولا يخفى ما في بعض ما ذكر من الكلام.
/ وعن الرابع: بأنه لا يلزم من كون تعميره من أعظم الآيات أن يذكر في القرآن العظيم كرات، وإنما ذكر سبحانه نوحًا عليه السلام تسلية لنبينا صلى الله عليه وسلم بما لاقى من قومه في هذه المدة مع بقائهم مصرين على الكفر حتى أغرقوا ولا توجد هذه الفائدة في ذكر عمر الخضر عليه السلام لو ذكر، على أنه قد يقال: من ذكر طول عمر نوح عليه السلام تصريحًا يفهم تجويز عمر أطول من ذلك تلويحًا.
وتعقب بأن لنا نعود فنقول: لا أقل من أن يذكر هذا الأمر العظيم في القرآن العظيم مرة لأنه من آيات الربوبية في النوع الإنساني، وليس المراد أنه يلم عقلًا من كونه كذلك ذكره بل ندعي أن ذكر ذلك أمر استحساني لا سيما وقد ذكر تعمير عدو الله تعالى إبليس عليه اللعنة فإذا ذكر يكون القرآن مشتملًا على ذكر معمر بن الجن مبعد وذكر معمر من الإنس مقرب ولا يخفى حسنه، وربما يقال: إن فيه أيضًا إدخال السرور على النبي صلى الله عليه وسلم، وبأن التجويز المذكور في حيز العلاوة مما لا كلام فيه إنما الكلام في الوقوع ودون إثباته الظفر بماء الحياة، وأجاب بعضهم بأن في قوله تعالى: {آتيناه رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا} إشارة إلى طول عمره عليه السلام على ما سمعت عن بعض في تفسيره. ورد بأن تفسيره بذلك مبني على القول بالتعمير فإن قبل قبل وإلا فلا، وعن الخامس: بأنا نختار أنه ثابت بالسنة وقد تقدم لك طرف منها.
وتعقب بما نقله عن القارىء عن ابن قيم الجوزية أنه قال: إن الأحاديث التي يذكر فيها الخضر عليه السلام وحياته كلها كذب ولا يصح في حياته حديث واحد ومن ادعى الصحة فعليه البيان، وقيل: يكفي في ثبوته إجماع المشايخ العظام وجماهير العلماء الأعلام. وقد نقد هذا الاجماع ابن الصلاح. والنووي. وغيرهما من الأجلة الفخام. وتعقب بأن إجماع المشايخ غير مسلم فقد نقل الشيخ صدر الدين إسحق القونوي في تبصرة المبتدى وتذكرة المنتهى أن وجود الخضر عليه السلام في عالم المثال.