الصفحة 72 من 119

عليهم السلام على ذلك الوجه إلا أحدهما، والحمل على أنهما لم يجمعا على وجه الأمر بالتبليغ إلا لنبينا صلى الله عليه وسلم فإنه عليه الصلاة والسلام مأمور بتبليغ الحقيقة كما هو مأمور بتبليغ الشريعة لكن للمستعدين لذلك لا يخلو عن شيء. ويفهم من كلام بعض الأكابر أن علم الحقيقة من علوم الولاية وحينئذ لا بد أن يكون لكل نبي حظ منه ولا يلزم التساوي في علومها.

ففي الجواهر والدرر قلت للخواص عليه الرحمة: هل يتفاضل الرسل في العلم؟ فقال: العلم تابع للرسالة فإنه ليس عند كل رسول من العلم إلا بقدر ما تحتاج إليه أمته فقط فقلت له: هذا من حيث كونهم رسلًا فهل حالهم من حيث كونهم أولياء كذلك؟ فقال: لا قد يكون لأحدهم من علوم الولاية ما هو أكثر من علوم ولاية أولي العزم ان الرسل الذين هم أعلى منهم انتهى، وانا أرى أن ما يحصل لهم من علم الحقيقة بناء على القول بأنه من علوم لولاية أكثر مما يحصل للأولياء الذين ليسوا بأنبياء. ولا تراني أفضل وليا ليس بنبي في علم الحقيقة على ولي هو نبي؛ ولا أقول بولاية الخضر عليه السلام دون نبوته.

وقائلوا ذلك يلزمهم ظاهرًا القول بأن ما عنده من علم الحقيقة مع كونه وليًا أكثر مما عند موسى عليه السلام منه إن أثبتوا له عليه السلام شيئًا من ذلك مع كونه نبيًا ولكنهم لا يرون في ذلك حطا لقدر موسى عليه السلام. وظاهر كلام بعضهم أنه عليه السلام لم يؤت شيئًا من علم الحقيقة أصلًا ومع هذا لا ينط قدره عن قدر الخضر عليهما السلام إذ له جهات فضل أخر، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق ما يقوله الذاهبون إلى ولايته عليه السلام.

ثم ما أراه أنا ولله تعالى الحمد أبعد عن القول بما نقل عن بعض الصوفية من أن الولاية مطلقًا أفضل من النبوة وإن كان الولي لا يبلغ درجة النبي. وهو مردود عند المحققين بلا تردد. نعم قد يقع تردد في نبوة النبي وولايته أيهما أفضل؟ فمن قائل بان نبوته أفضل من ولايته، ومن قائل بان ولايته أفضل.

واختار هذا بعض العرفاء معللًا له بأن نبوة التشريع متعلقة بمصلحة الوقت والولاية لا تعلق لها بوقت دون وقت وهي في النبي على غاية الكمال. والمختار عندي الأول. وقد ضل الكرامية في هذا المقام فزعموا أو الولي قد يبلغ درجة النبي بل أعلى. ورده ظاهر. والاستدلال له بما فيه هذه القصة بناء على القول بولاية الخضر عليه السلام ليس بشيء كما لا يخفى.

هذا ولا يخفى على من له أدنى ذوق بأساليب الكلام ما راعاه موسى عليه السلام في سوق كلامه على علو مقامه من غاية التواضع مع الخضر عليه السلام ونهاية الأدب واللطف، وقد عد الإمام من ذلك أنواعًا كثيرة أوصلها إلى اثني عشر نوعًا أن أردتها فارجع إلى تفسيره. وسيأتي إن شاء الله عز وجل ما تدل عليه هذه الآية في سرد ما تدل عليه آيات القصة بأسرها مما ذكر في كتب الحديث وغيرها.

قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67)

{قال} أي الخضر لموسى عليهما السلام {إنك لن تستطيع معي صبرًا} نفي لأن يصبر معه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت