الصفحة 84 من 119

كما ستعلمه إن شاء الله تعالى. وههنا سؤال مشهور وقد نظمه الصلاح الصفدي ورفعه إلى الإمام تقي الدين السبكي فقال:

أسيدنا قاضي القضاة ومن إذا ... بدا وجهه استحيى له القمران

ومن كفه يوم المندى ويراعه ... على طرسه بحران يلتقيان

ومن إن دجت في المشكلات مسائل ... جلاها بفكر دائم اللمعان

رأيت كتاب الله أعظم معجز ... لأفضل من يهدي به الثقلان

ومن جملة الإعجاز كون اختصاره ... بإيجاز ألفاظ وبسط معاني

ولكنني في الكهف أبصرت آية ... بها الفكر في طول الزمان عناني

وما هي إلا استطعما أهلها فقد ... نرى استطعماهم مثله ببيان

فما الحكمة الغراء في وضع ظاهر ... مكان ضمير إن ذاك لشان

فارشد على عادات فضلك حيرتي ... فما لي إلى هذا الكلام يدان

فأجاب السبكي بأن جملة {استطعما} محتملة لأن تكون في محل جر صفة لقرية وأن تكون في محل نصب صفة لأهل وأن تكون جواب إذا ولا احتمال لغير ذلك، ومن تأمل علم أن الأول متعين معنى وأن الثاني والثالث وأن احتملتهما الآية بعيدان عن مغزاها، أما الثالث فلأنه يلزم عليه كون المقصود الإخبار بالاستطعام عند الإتيان وأن ذلك تمام معنى الكلام، ويلزمه أن يكون معظم قصدهما أو هو طلب الطعام مع أن القصد هو ما أراد ربك مما قص بعد وإظهار الأمر العجيب لموسى عليه السلام، وأما الثاني فلأنه يلزم عليه أن تكون العناية بشرح حال الأهل من حيث هم هم ولا يكون للقرية أثر في ذلك ونحن نجد بقية الكلام مشيرًا إليها نفسها فيتعين الأول ويجب فيه {استطعما أَهْلَهَا} ولا يجوز استطعماهم أصلًا لخلو الجملة عن ضمير الموصوف.

وعلى هذا يفهم من مجموع الآيات أن الخضر عليه السلام فعل ما فعل في قرية مذموم أهلها وقد تقدم منهم سوء صنيع من الإباء عن حق الضيف مع طلبه وللبقاع تأثير في الطباع ولم يهم فيها مع أنها حرية بالإفساد والإضاعة بل باشر الإصلاح لمجرد الطاعة ولم يعبأ عليه السلام بفعل أهلها اللئام، ويضاف إلى ذلك من الفوائد أن الأهل الثاني يحتمل أن يكون هم الأولون أو غيرهم أو منهم ومن غيرهم، والغالب أن من أتى قرية لا يجد جملة أهلها دفعة بل يقع بصره أولًا على البعض ثم قد يستقريهم فلعل هذين العبدين الصالحين لما أتيا قدر الله تعالى لهما استقراء الجميع على التدريج ليتبين به كمال رحمته سبحانه وعدم مؤاخذته تعالى بسوء صنيع بعض عباده، ولو قيل استطعماهم تعين إرادة الأولين فأتى بالظاهر إشعارًا بتأكيد العموم فيه وأنهما لم يتركا أحدًا من أهلها حتى استطعماه وأبي ومع ذلك قوبلوا بأحسن الجزاء، فانظر إلى هذه الأسرار كيف احتجبت عن كثير من المفسرين تحت الأستار حتى أن بعضهم لم يتعرض لشيء، وبعضهم ادعى أن ذلك تأكيد، وآخر زعم ما لا يعول عليه حتى سمعت عن شخص أنه قال: إن العدول عن استطعماهم لأن اجتماع الضميرين في كلمة واحدة مستثقل وهو قول يحكي ليردفان القرآن والكلام الفصيح مملوء من ذلك ومنه ما يأتي في الآية، ومن تمام الكلام فيما ذكر أن استطعما إن جعل جوابًا فهو متأخر عن الإتيان وإذا جعل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت