فهرس الكتاب
يعتبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلوم أبا بصير أو يديهما أو يفعل فعلًا أو يقول قولًا يدل على عدم رضاه، ولكنه لما لم يفعل بل ظهر منه الرضى لفعل أبي بصير دل على أن مثل هذه الشبهة في الأمان لا تعتبر، والعبرة هنا أن هذين الكافرين لم يكونا مقدورًا عليهما وأن أبا بصير لم يكن من الذين دخلوا في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن هنا لم يلزمه ما لزم رسول الله صلى الله عليه وسلم وليست العبرة بأن هذين الكافرين كان يأسران أبا بصير، فلو لم يكونا كذلك، وكمن لهما أبو بصير بعد أن انفلت منهما وقتلهما أو قتل أحدهما ما عابه رسول الله صلى الله عليه وسلم بدليل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما ذهب له أبو بصير بعد قتله لأحد الكافرين قال صلى الله عليه وسلم"ويل أمه مسعر حرب لو كان معه رجال"ثم مضى أبو بصير بعد ذلك يقطع الطريق على كفار مكة ويقتل من يقتل ويسلب من يسلب دون أن يكفه رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم .. بل إن أبا سفيان قال لسهيل بن عمرو لما بلغه قتل العامري وطالب بديته لأنه من رهطه، قال له:"ليس على محمد مطالبة بذلك لأنه وفّى بما عليه وأسلمه لرسولكم، ولم يقتله بأمره. ولا على آل أبي بصير أيضا شيئ لأنه ليس على دينهم"، وعندما نتدبر فهم أبي سفيان وهو يومئذ لم يكن قد أسلم وكان على دين القوم، وأيضا نتدبر مطالبة أصحاب الدية يتضح أن بعض أولياء القتلى اعتقدوا أن قتلاهم الذين يقتلهم المسلمون الذين لم يدخلوا فيما دخل فيه محمد صلى الله عليه وسلم أعتقدوا أن قتلاهم هؤلاء يمنعهم الأمان ممن هم على دين رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ولو لم يدخلوا فيما دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، في حين نفى أبو سفيان ذلك ووضح لهم الشبهة، وهو نفس ما يزعمه البعض اليوم من أن اعتقاد الكفار بأن لهم أمانًا قبل القدرة عليهم يجعل لهم شبهة أمان في حق من هم مثل هؤلاء فتدبره.
قلت: والشاهد هنا هو عدم اعتبار أبي سفيان لشبهة أصحاب القتيل في اعتقادهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلزمه أن يدي قتلاهم طالما هم في عقد صلح معه، وكذلك أولياء أبي بصير .. وأيضا ليس على أبي بصير شيئ - كما قال ابن حجر في الفتح - لأنه لم يدخل فيما دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان عليه شيئ لنبه إليه رسول الله r فلما لم يفعل دل ذلك على عدم وجود أي شبهة في حق أبي بصير أو من فعل فعله أو اقتدى به في مثل هذه الحال، وفعل أبي بصير وإقرار رسول الله صلى الله عليه وسلم نص في موضع النزاع.
المسلك الثاني:
إننا نقول إنه ليس هناك ثمة شبهة يتمسك بها القوم: