فهرس الكتاب
ابن قدامة - ولنا أن النبي r شرط ذلك في صلح الحديبية ووفى لهم به فرد أبا جندل وأبا بصير ولم يخص بالشرط ذا العشيرة لأن ذا العشيرة إذا كانت عشيرته هي التي تفتنه وتؤذيه فهو كمن لا عشيرة له لكن لا يجوز هذا الشرط إلا عند شدة الحاجة إليه وتعين المصلحة فيه ومتى شرط لهم ذلك لزم الوفاء به بمعنى أنهم إذا جاؤوا في طلبه لم يمنعهم أخذه ولا يجبره الإمام على المضي معهم وله أن يأمره سرًا بالهرب منهم ومقاتلتهم فإن أبا بصير لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم وجاء الكفار في طلبه قال له النبي r صلى الله عليه وسلم"إنا لا يصلح في ديننا الغدر وقد علمت ما عهدناهم عليه ولعل الله أن يجعل لك فرجًا ومخرجًا"فلما رجع مع الرجلين قتل أحدهما في طريقه ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم r فقال: يا رسول الله قد أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم فأنجاني الله منهم فلم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يلمه بل قال:"ويل أمه مسعر حرب لو كان معه رجال"فلما سمع ذلك أبو بصير لحق بساحل البحر وانحاز إليه أبو جندل بن سهيل ومن معه من المستضعفين بمكة فجعلوا لا تمر عليهم عير لقريش إلا عرضوا لها فأخذوها وقتلوا من معها فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرحم أن يضمهم إليه، ولا يرد إليهم أحدًا جاءه ففعل .. فيجوز حينئذ لمن أسلم من الكفار أن يتحيزوا ناحية ويقتلون من قدروا عليه من الكفار ويأخذون أموالهم ولا يدخلون في الصلح وإن ضمهم الإمام إليه بإذن الكفار دخلوا في الصلح وحرم عليهم قتل الكفار وأموالهم.
وروى عن عمر t أنه لما جاء أبو جندل إلى النبي r هاربًا من الكفار يرسف في قيوده قام إليه أبوه فلطمه، قال عمر: فقمت إلى جنب أبي جندل فقلت:"إنهم الكفار وإنما دم أحدهم دم كلب"وجعلت أدني من قائم السيف لعله أن يأخذه فيضرب به أباه قال:"فضن الرجل بأبيه".
الثاني: شرط فاسد مثل أن يشترط رد النساء أو مهورهن أو رد سلاحهم أو إعطائهم شيئًا من سلاحنا أو من آلات الحرب أو يشترط لهم مالًا في موضع لا يجوز بذله أو يشترط نقضها متى شاؤوا أو أن لكل طائفة منهم نقضها أو يشترط رد الصبيان أو رد الرجال مع عدم الحاجة إليه فهذه كلها شروط فاسدة لا يجوز الوفاء بها. أهـ.
قلت: ويفهم مما سبق أن الطائفة المسلمة المجاهدة وإن كان لها دولة وإمام أي"رئيس دولة"ليس لهم أن يؤمنوا إلا من يكون في قبضتهم أو يستطيعوا أن ينفذوا أمانهم إذا أعطوه.