الصفحة 106 من 189

وَأَنْتَ أَسِيرٌ فِي أَيْدِينَا؟ ثُمَّ أَخَذَهُ مِنْ أَبِي بُرْدَةَ وَضَرَبَ عُنُقَهُ. وَلِأَنَّ الْأَمْنَ عَنْ الْقَتْلِ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالْأَمَانِ أَوْ بِالْإِيمَانِ، وَبِالْأَسْرِ لَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَبَقِيَ مُبَاحَ الدَّمِ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ الْأَسْرِ. وَهُوَ بِالْأَسْرِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُحَارَبًا، وَلَكِنَّهُ عَجَزَ عَنْ الْمُحَارَبَةِ لِكَوْنِهِ مَقْهُورًا فِي أَيْدِينَا مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ الَّذِي يَحْمِلُهُ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ الْمُخَالَفَةُ فِي الدِّينِ. فَيَجُوزُ قَتْلُهُ كَالْمُرْتَدِّ الْمَقْهُورِ فِي أَيْدِينَا، وقَوْله تَعَالَى: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} فَمَنْسُوخٌ. هَكَذَا نُقِلَ عَنْ السُّدِّيِّ أَنَّهُ نَسَخَهُ قَوْله تَعَالَى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} . 1891 - وَتَاوِيلُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَرِهَ قَتْلَهُ مَشْدُودَ الْيَدَيْنِ، لَا أَنْ يُقَالَ تَحَرَّزَ عَنْ قَتْلِهِ بَعْدَ مَا أُسِرَ. وَنَحْنُ هَكَذَا نَقُولُ: الْأُولَى أَنْ لَا يُقْتَلَ مَشْدُودَ الْيَدَيْنِ إذَا كَانَ لَا يُخَافُ أَنْ يَهْرُبَ أَوْ يَقْتُلَ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ يَسْتَوِي فِي ذَلِكَ مَا بَعْدَ الْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ وَمَا قَبْلَهُ. لِانْعِدَامِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِحُرْمَةِ دِمَائِهِمْ. فَإِنَّ الْحَقَّ لَا يَتَأَكَّدُ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الْأَسَارَى بَعْدَ الْإِحْرَازِ بِالدَّارِ. أَلَا تَرَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَهُمْ أَحْرَارَ الْأَصْلِ بِأَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ بِرِقَابِهِمْ وَأَرَاضِيِهِمْ وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ عَلَيْهِمْ وَالْخَرَاجَ عَلَى أَرَاضِيِهِمْ، كَمَا فَعَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالسَّوَادِ. 1892 - وَإِذَا لَمْ يَتَأَكَّدْ الْحَقُّ فِيهِمْ كَانَ الْحُكْمُ فِيهِمْ بَعْدَ الْإِحْرَازِ كَالْحُكْمِ قَبْلَهُ، وَالْإِمَامُ نَاظِرٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ رَأَى الصَّوَابَ فِي قِسْمَتِهِمْ قَسَمَهُمْ، وَإِنْ رَأَى الصَّوَابَ فِي قَتْلِهِمْ قَتَلَهُمْ. لِدَفْعِ فِتْنَتِهِمْ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} . وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ حَرُمَ قَتْلُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ} . وَقَدْ خَرَجَ بِالْإِسْلَامِ مِنْ أَنْ يَكُونَ ظَالِمًا، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {فَإِذَا قَالُوهَا فَقَدْ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} . وَلَكِنَّهُ يُقْسَمُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يُؤَمِّنُهُ مِنْ الْقَتْلِ، وَلَكِنْ لَا يَبْطُلُ الْحَقُّ الثَّابِتُ فِيهِ لِلْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ كَانَ الْإِمَامُ مُخَيَّرًا بَيْنَ الْقَتْلِ وَالْقِسْمَةِ فَإِذَا تَعَذَّرَ أَحَدُهُمَا بِالْإِسْلَامِ تَعَيَّنَ الْآخَرُ. قَالَ: وَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَمُنَّ عَلَى الْقَتِيلِ فَيَتْرُكَهُ وَلَا يَقْتُلُهُ وَلَا يَقْسِمُهُ. لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ إبْطَالَ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ عَنْهُ بِأَنْ يَخْتَصَّ بِهِ أَحَدُهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ. فَإِذَا أَرَادَ إبْطَالَ حَقِّ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ بِالْمَنِّ عَلَيْهِ، أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَمْنُوعًا مِنْهُ. وَهَذَا لِأَنَّ فِي الْمَنِّ عَلَيْهِ تَمْكِينَهُ مِنْ أَنْ يَعُودَ حَرْبًا لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدَ الظُّهُورِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لَا يَحِلُّ. 1902 - وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ حُكْمَ الْمَنِّ الثَّابِتِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} . قَدْ انْتَسَخَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} . وَاَلَّذِي رُوِيَ {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنَّ عَلَى أَبِي عَزَّةَ الْجُمَحِيِّ يَوْمَ بَدْرٍ. فَقَدْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ انْتِسَاخِ حُكْمِ الْمَنِّ} . أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا {وَقَعَ أَسِيرًا يَوْمَ أُحُدٍ وَطَلَبَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِ أَبَى وَقَالَ: لَا تُحَدِّثْ الْعَرَبَ بِأَنِّي خَدَعْت مُحَمَّدًا مَرَّتَيْنِ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ} . وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ لِلْحَدِيثِ تَاوِيلًا آخَرَ وَهُوَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُقَاتِلُ عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ. وَأُولَئِكَ مَا كَانَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ السَّبْيِ، وَإِنَّمَا مَنَّ عَلَى بَعْضِ الْأُسَرَاءِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إبْطَالُ حَقٍّ ثَابِتٍ لِلْمُسْلِمِينَ فِي رِقَابِهِمْ. وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ فِي مِثْلِهِمْ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ، الَّذِينَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا السَّيْفُ أَوْ الْإِسْلَامُ، فَإِنَّهُمْ إنْ أَسْلَمُوا كَانُوا أَحْرَارًا، وَإِنْ أَبَوْا قُتِلُوا.

وفي المنتقى شرح الموطأ للباجي:

(مَسْأَلَةٌ) وَأَمَّا الْمَنُّ أَوْ الْمُفَادَاةُ فَإِنَّهُ جَائِزٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ الْمَنُّ وَلَا الْمُفَادَاةُ وَحُكِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت