دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ. فَإِذَا اشْتَغَلَ الْكُلُّ بِالْجِهَادِ لَمْ يَتَفَرَّغُوا لِلْقِيَامِ بِمَصَالِحِ دُنْيَاهُمْ. وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَارَةً يَخْرُجُ , وَتَارَةً يَبْعَثُ غَيْرَهُ , حَتَّى قَالَ: {وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ , لَوْلَا أَنَّ رِجَالًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي , وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِمْ , مَا تَخَلَّفْت عَنْ سَرِيَّةٍ تَغْدُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ} . فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَاعِدِينَ غَيْرُ آثِمِينَ مَعَ جِهَادِ غَيْرِهِمْ , فَقَدْ وَعَدَ اللَّهُ كُلًّا الْحُسْنَى , وَالْعَاصِي لَا يُوعَدُ بِهَا , وَلَا تَفَاضُلَ بَيْنَ مَاجُورٍ وَمَازُورٍ. وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رضي الله عنه {أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ إلَى بَنِي لِحْيَانَ , وَقَالَ: لِيَخْرُجْ مِنْ كُلِّ رَجُلَيْنِ رَجُلٌ , ثُمَّ قَالَ لِلْقَاعِدِينَ: أَيُّكُمْ خَلَفَ الْخَارِجَ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ بِخَيْرٍ كَانَ لَهُ مِثْلُ نِصْفِ أَجْرِ الْخَارِجِ} ". وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: إنَّ الْجِهَادَ مِنْ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ.: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} . وَقَوْلُهُ: {إلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} . وَقَوْلُ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم: {مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ , وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ , مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ} . وَأَنَّ الْقَاعِدِينَ الْمَوْعُودِينَ بِالْحُسْنَى كَانُوا حُرَّاسًا , أَيْ كَانُوا مِنْ هَذَيْنِ كَذَلِكَ."
مَتَى يَصِيرُ الْجِهَادُ فَرْضَ عَيْنٍ؟
9 -ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّهُ يَصِيرُ الْجِهَادُ فَرْضَ عَيْنٍ فِي كُلٍّ مِنْ الْحَالَاتِ الْآتِيَةِ: أ - إذَا الْتَقَى الزَّحْفَانِ , وَتَقَابَلَ الصَّفَّانِ , حُرِّمَ عَلَى مَنْ حَضَرَ الِانْصِرَافُ , وَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْمُقَامُ , لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا} . . . إلَى قَوْلِهِ: {وَاصْبِرُوا , إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} . ب - إذَا هَجَمَ الْعَدُوُّ عَلَى قَوْمٍ بَغْتَةً , فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ الدَّفْعُ وَلَوْ كَانَ امْرَأَةً أَوْ صَبِيًّا , أَوْ هَجَمَ عَلَى مَنْ بِقُرْبِهِمْ , وَلَيْسَ لَهُمْ قُدْرَةٌ عَلَى دَفْعِهِ , فَيَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ كَانَ بِمَكَانٍ مُقَارِبٍ لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا مَعَهُمْ إنْ عَجَزَ مَنْ فَجَأَهُمْ الْعَدُوُّ عَنْ الدَّفْعِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ , وَمَحَلُّ التَّعَيُّنِ عَلَى مَنْ بِقُرْبِهِمْ إنْ لَمْ يَخْشَوْا عَلَى نِسَائِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ مِنْ عَدُوٍّ بِتَشَاغُلِهِمْ بِمُعَاوَنَةِ مَنْ فَجَأَهُمْ الْعَدُوُّ , وَإِلَّا تَرَكُوا إعَانَتَهُمْ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يُعْتَبَرُ مَنْ كَانَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ مِنْ الْبَلْدَةِ كَأَهْلِهَا , وَمَنْ عَلَى الْمَسَافَةِ يَلْزَمُهُ الْمُوَافَقَةُ بِقَدْرِ الْكِفَايَةِ إنْ لَمْ يَكْفِ أَهْلُهَا , وَمَنْ يَلِيهِمْ. وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَفْجَاهُمْ الْعَدُوُّ فَلَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ , يَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْمُقِلُّ مِنْهُمْ وَالْمُكْثِرُ. وَمَعْنَاهُ: أَنَّ النَّفِيرَ يَعُمُّ جَمِيعَ النَّاسِ مِمَّنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ حِينَ الْحَاجَةِ لِمَجِيءِ الْعَدُوِّ إلَيْهِمْ , وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ التَّخَلُّفُ إلَّا مَنْ يَحْتَاجُ إلَى تَخَلُّفِهِ لِحِفْظِ الْمَكَانِ وَالْأَهْلِ وَالْمَالِ , وَمَنْ يَمْنَعُهُ الْأَمِيرُ مِنْ الْخُرُوجِ , أَوْ مَنْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْخُرُوجِ أَوْ الْقِتَالِ. وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى الَّذِينَ أَرَادُوا الرُّجُوعَ إلَى مَنَازِلِهِمْ يَوْمَ الْأَحْزَابِ فَقَالَ: {وَيَسْتَاذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إنْ يُرِيدُونَ إلَّا فِرَارًا} . ج - إذَا اسْتَنْفَرَ الْإِمَامُ قَوْمًا لَزِمَهُمْ النَّفِيرُ مَعَهُ إلَّا مَنْ لَهُ عُذْرٌ قَاطِعٌ ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إذَا قِيلَ لَكُمْ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاع الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إلَّا قَلِيلٌ} . وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: {لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ , وَإِذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا} وَذَلِكَ لِأَنَّ أَمْرَ الْجِهَادِ مَوْكُولٌ إلَى الْإِمَامِ وَاجْتِهَادِهِ , وَيَلْزَمُ الرَّعِيَّةَ طَاعَتُهُ فِيمَا يَرَاهُ مِنْ ذَلِكَ. وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْجِهَادُ بِتَعْيِينِ الْإِمَامِ وَلَوْ لِصَبِيٍّ مُطِيقٍ لِلْقِتَالِ أَوْ امْرَأَةٍ , وَتَعْيِينُ الْإِمَامِ