(6) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح جـ4/ 4.
الحديث مع النصارى في إثبات نبوة النبي - صلى الله عليه وسلم -، من خلال ما سطروه هم في كتبهم، فأقول وبالله التوفيق: جاء في إنجيل يوحنا: «إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب من الأب فيعطيكم «فارقليط» آخر ليمكث معكم إلى الأبد، روح الحق الذي لم يطق العالم أن يقبلوه لأنهم لم يعرفوه، ولست أدعكم أيتامًا لأني سآتيكم عن قريب» (1) .
وهذه بشارة واضحة وصريحة بالنبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن قوله: «فارقليط آخر» يدل على أنه ثان لأولٍ يكون قبله، ولم يكن معهم في حياة المسيح إلا هو، فعلم أن الذي يأتي بعده نظير له، ليس أمرًا معتادًا يأتي الناس، وأيضًا فإنه قال: «يمكث معكم إلى الأبد» ، وهذا إنما يكون لمن يدوم ويبقى معهم إلى آخر الدهر، وهذا يبين أن الثاني صاحب شرع لا ينسخ بخلاف الأول، وهذه شريعة نبينا - صلى الله عليه وسلم -
باقية ظاهرة على أُسِّ قويم ومنهج من الحق مستقيم، لا تنقضي بوفاته ولا تنقرض، ولا يتخللها نقص ولا يتريها خلل ولا يعترض، وذلك نظير قول الله - تعالى: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب: 40] ، وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي» (2) .
فالنصارى في ذلك بين أمرين: إما أن يقولوا: إنه محمد - صلى الله عليه وسلم -، وإما أن يقولوا: إن المسيح أخلف قوله ولم يفِ بوعده وترَكَهم أيتامًا بغير نبي يتكفل بأمورهم ولم يأتهم عن قريب كما وعد، وقوله: «بأنه لم يطق العالم أن يقبلوه لأنهم لم يعرفوه» يريد أنه يأتي في زمن الغالب على أهله عبادة الأوثان وتعظيم الصلبان، وكان هذا هو الواقع عند بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولما جاء بالتوحيد الذي لم يعرفوه تمسكوا بما كان عليه آباؤهم وأجدادهم من عبادة غير الله - تعالى -، وقالوا كما حكى القرآن عنهم: أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص: 50] ، وقد أطلق عيسى - عليه السلام - كلمة روح الحق هنا على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومعناه المبلغ عن الله الحق الذي أنزل