الصفحة 57 من 1416

كانوا يدينون بالتوحيد الخالص، وهو فوق توحيد اليهود والنصارى، فلم يكونوا يهودًا ولا نصارى، وكان قدوتهم إبراهيم.

أما المصادر التاريخية فإن معظم ما ورد فيها عنهم يخص الناحية الأخلاقية أكثر مما يخص الناحية الدينية، وما يمكن ملاحظته أن الحنفاء كانوا على رأي واحد لا كطائفة واحدة، فقد كانوا نفرًا من قبائل متفرقة لم تجمع بينهم رابطة، إنما اتفقت فكرتهم في رفض عبادة الأصنام وفي الدعوة إلى الإصلاح (63) .

ويرى البعض أن التيار الحنيفي كان يحمل مشروعًا دينيًا سياسيًا على مستوى الجزيرة العربية لكن الإسلام قام بالطموحين فانتفى الشرط التاريخي لظاهرة الحنفاء (64) .

خلصنا مما سبق إلى أن ما يجمع الصابئة والأحناف هو الأصل التوحيدي ونبذ عبادة الأصنام واتباع إبراهيم، واستمرار الحنفاء عبر الإسلام , وانفراد الصابئين ببقائهم على عاداتهم , وما كونوه من تيار دون الدخول في الإسلام، وما يشير إليه ذلك التيار هو تطور الذهنية الدينية عند بعض العرب قبل الإسلام , وشعور شريحة منهم بضرورة البحث عن الدين الحق الذي يتلاءم مع العقل والفطرة، ولم تفلح العقائد السائدة في إقناعهم فطوروا عقيدة خاصة بهم تنسجم مع فطرتهم، هذا الطابع الذي كان سائدًا يحمل الطابع الإبراهيمي , وهو لا يمت بصلة إلى التفكير اليهودي المسيحي الذي نشأ مع الحركة النبوية الإسرائيلية، ومجرد انتشار الفكر الكتابي بين بعض العرب لا يدل على صبغة يهودية أو مسيحية للحنفاء وإلا لكانوا تهودوا أو تنصروا بل كانوا على مسافة من الكتابيين ومن الدين الجاهلي الذي كان سائدًا قبل البعثة إلى أن جاء الإسلام منسجمًا مع تطلعاتهم (65) .

الدين الجاهلي: من يتتبع ما ورد عن عقائد الجاهليين في القرآن يجد أنها من التنوع والكثرة والاختلاف ما لا يحيط به اسم دين أو عقيدة، وهي عقائد متشابهة في بعض الأشياء والرموز , ومختلفة في البعض الآخر، لكن القرآن يورد مسمى واحدًا يتكرر مع ذكر مختلف هذه العقائد , هو مفردة الشرك ومشتقاتها، بحيث يمكن اعتبار هذه التسمية تعبيرًا عن العقيدة العامة التي كانت تسود في بيئة عصر البعثة، وأنها لا تعني نوعًا محددًا من العقائد، وأنها كانت عامة يمكن أن ينطوي فيها عقائد متنوعة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت