فهرس الكتاب
يكشف الضر , وأنه الذي يرسل الأنبياء , وينزل الملائكة , ويوحي بالكتب، لكنهم رغم تطور هذا الفكر التجريدي لديهم عن الله لم يكونوا قد وصلوا إلى استساغة الاكتفاء بالإيمان بالله إيمانًا غيبيًا من غير رمز مادي، لذلك كانوا يعتقدون أنه هو الذي أمرهم بعبادته , والتقرب إليه عن طريق الشركاء أو الشفعاء أو الأولياء أو الشهداء حسب طريقة تصورهم للشريك , ودوره في العلاقة مع الله , وهذه التنويعات في التسميات والأدوار تشير إلى اختلاف وتطور في درجات التفكير الديني بينهم (71) ، هذا التنوع يقودنا إلى أرقى ما تطور إليه الفكر الديني العربي وهو الإيمان بالغيب.
-الغيب عند العرب: كان للفكر الكتابي دور في إدخال أفكار عن عالم الغيب في بيئة كانت تعير المحسوسات أهمية في تفكيرها، لكن التطور الذي وصل إليه أصحاب هذه البيئة لم يكن ليسمح بتبني تلك الأفكار كما هي , لاسيما ما يخص منها تصور الله، ولعل المقارنة بين تصور النصارى لبنوة الإنسان لله وما تبناه المشركون العرب من فكرة البنوة لله يشير إلى التأثر من جهة والمحاكمة من جهة أخرى، فإذ أدرك الجاهليون وجود كائنات غيبية كالجن والملائكة , وهي في تصورهم أقرب إلى الله من حيث طبيعة تصورها التجريدي، وكان الأنسب في ذهنيتهم أن يكون اتخاذ الله للولد من الملائكة (72) .
إذًا كان العرب يؤمنون بوجود الملائكة , ولهم تصور خاص عنهم وعن صلتهم بالله , وأن الله كان ينزلهم أو يرسلهم إلى من يشاء من عباده (73) ، وكانوا يتصورونهم بنات , وأن الله اتخذ منهم ولدًا -كما أشرنا- وقد عبد بعض العرب الملائكة , وقد ورثوا هذه العقيدة عن الآباء (74) ، وربما تطورت لتصبح الملائكة مجرد شفعاء، وباعتبار الملائكة غير ماديين , ربما اتخذوا من الأصنام رموزًا , وهياكل للملائكة الذين هم في السماء (75) .
ولعل ما ورد في القرآن من أوصاف للملائكة وعلاقتهم بالبشر , وبصيغ تقريرية يدل على تبني العرب لهذه التصورات عنهم , فكان السياق القرآني تأكيدًا لتصورهم سموَّ الملائكة وغيبية عالمها.