الصفحة 60 من 1416

ولا يختلف الأمر كثيرًا بشأن تصور العرب للجن إذ جعلوا بينهم وبين الله نسبًا (76) ، وجعلوا منهم شركاء لله (77) ، وكانت عقيدتهم بالجن واسعة النطاق، كما كانوا يؤمنون بصلات بينهم وبين الإنس، وعبادتهم للجن كانت بدافع الخوف منهم , إذ يرون فيهم عناصر شر وفزع , بخلاف الملائكة الذين كانوا يرون فيهم عناصر خير وبر يستشفعون بهم (78) .

وقد كان للجن في أذهان العرب حيز كبير من حيث قوتهم وقدرتهم على الخوارق , حتى ذكروا في معرض تحدي القرآن وتقرير عجز الإنس ولو استعانوا بالجن (79) .

وليس هناك ما يشير إلى تصورهم لماهية الجن , لكن ما ورد في القرآن من وصف المشركين الرسول بأنه مجنون ربما يعني قصدهم كون ما يرد إليه إنما هو من الجن , إذ لا يمكن أن يكون منطقيًا في تصورهم وصف الرسول بأنه مجنون بمعنى فقدان العقل , إذ عرف بينهم بالاتزان والحكمة، فيكون قصدهم أن ما يدعيه من الوحي ليس من الملائكة الخيرين الذين طلبوا منه إثبات إنزالهم عليه، وما يؤيد هذا المعنى للجنون إجابة القرآن على تهمة الرسول بالجنون بأن القرآن تنزيل من الله بواسطة الملك (80) ، لاسيما وأن العرب كانوا يتصورون اتصال الجن مع الإنس , لاسيما الشعراء والكهان والسحرة (81) ، هذا ومعظم ما ورد في القرآن عن الجن وإبليس والشيطان لاسيما ما ورد بأسلوب تقريري في سياق العبرة والعظة والتذكير يشير إلى كونه مما هو معلوم عند العرب (82) .

هذا ولعالم الجن دور هام في حياة العرب إذ كانوا في تصورهم هم مصدر التنبؤ والكهانة والسحر والشعر، ونظرًا لما يحتله من يمارس هذه الأشياء من مكانة فقد كانت مصدر تنافس بين القبائل مما ساعد على انتشار هذه الظاهرة (83) ، وهذا الجانب من الحياة العربية كان كأي جانب آخر عرضة للتطور والتغير، وما كان عليه الحال قبل البعثة هو نتيجة لتطور مستمر دام آلاف السنين , قام به رجال من أهل الجاهلية , إما بشعور ذاتي أو بتأثر خارجي من خلال الاتصال متعدد الأشكال مع العالم الخارجي.

وهذه المقاربة العربية للغيب ومحاولات المتنبئين تذكرنا بتاريخ النبوة عند العرب وما ذكرهم به القرآن من نبوة هود وصالح باعتبارهم معروفين من قبلهم (84) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت