فهرس الكتاب
مكة ومنزلتها في الإسلام
(الشبكة الإسلامية)
الحمد لله الذي خلق البلاد والعباد، وجعل التفاضل بين خلقه أمرًا سائدا، فكما فضّل بعض عباده على بعض، فضّل بعض الأمكنة على بعض، فجعل مكة أشرف البقاع وأفضلها، وخير البلاد وأكرمها، إليها تهفو القلوب، وفيها ترتاح النفوس، وعندها يحطّ الخائفون رحالهم، ونحوها يتجه العابدون فيشكون إلى الله حالهم، ويسألونه نجاتهم، هي موطن العبادة والإنابة، فيها أول بيت وضع للناس {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا} (آل عمران:97،96) ، بيت يثوب الناس إليه ويرجعون، فيجدون فيه الراحة والأمن ولذة العبادة للمولى سبحانه وتعالى، وهم بذلك يتذكرون الأنبياء ويقتدون بهم {وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} (البقرة:125) .
مكة ذلك البلد الأمين الذي يأتيه الخير والرزق من كل مكان، يُساق إليه، ويُجلب استجابة لدعوة أبي الأنبياء إبراهيم الخليل عليه السلام، كما أخبر الله بذلك في كتابه العزيز، قال تعالى: {وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم اضطره إلى عذاب النار وبئس المصير} (البقرة:126) .
ومن فضائلها أنّ الله اختارها لمولد نبيه الخاتم ومبعثه - صلى الله عليه وسلم -، ففيها بدأ نزول القرآن الكريم، الكتاب الخاتم، ومنها بدأت دعوة الخير والحق، وانتشرت في الآفاق، قال تعالى: {وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها} (الشورى:7) .
وقد أوجب الله على المستطيع من الناس الإتيان إليها من كل مكان، ودخولها بالتواضع والتخشع والتذلل، كاشفين رؤوسهم، متجردين عن لباس أهل الدنيا {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} (آل عمران:97) ، وجعل قصدها مكفرًا للذنوب، ومُحِطًا للخطايا والذنوب، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه) متفق عليه، واللفظ لمسلم.