الصفحة 929 من 1147

ولو أردنا أن نسوق عشرات الآيات من مواضعها في سور القرآن تنص على أن العمل سبب دخول الجنة لاستعرضنا القرآن كله. قد يسأل أحدكم: فما معنى قول الرسول عليه الصلاة والسلام إذن"لن يدخل أحدا عمله الجنة"؟. والجواب أن الرسول المؤدب الكريم الرقيق المهذب يريد أن يقول للناس: احذروا الاستكبار بالعمل، احذروا أن تغتروا بالعمل، احذر أن تعمل شيئا ثم تقف بين يدى الله لتقول له: لقد أديت لك حقك، وما بقى لك عندى شىء، فعندك لى الجنة بعدئذ ! كأنها دين عليه!! المقصود من الحديث كسر دابر الغرور وإشعار الناس بأنهم لو قطعت رقابهم في سبيل الله فما وفوا حق الله، العمل سبب لابد منه لدخول الجنة، ولكنه ليس الثمن الحقيقى للجنة. هذا معنى الحديث، لأن الله يستطع أن يقول لأى إنسان عمل صالحا: تعال ما لك عندى؟ عبدتنى مائة سنة؟ رزقتك مائة سنة، فليس لك عندى شىء، أو يقول له: ليكن رزقى لك تفضلا منى، عبدتنى مائة سنة؟ خذ في الجنة مائة سنة تنعيما وتكريما ثم أفنيك وتتلاشى ولا يبقى لك وجود، بل قد يقول الله للإنسان: لو حاسبتك على ما تقدم من عمل لاستخرجت لك من الشوائب والعلل في عملك ما يجعل عملك يرفض، ما أرجى عمل لك بين يدى؟ صلاتك؟ إنك تقف مصليا بين يدى فتملأ الوساوس صدرك، وتسرقك الشواغل من بين يدى فتسرح يمينا وشمالا، فلو جازيتك لعاقبتك على سوء أدبك! إذن الحديث لا يقصد منه منع العمل كما يفهم المغفلون، إنما الحديث يقول للإنسان: اكدح، اعرق في سبيل الله ثم قف منتفضا بين يدى الله لأنك ما أديت حقه وهذا معنى قوله تعالى:"فذرهم في غمرتهم حتى حين * أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين * نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون * إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون * والذين هم بآيات ربهم يؤمنون * والذين هم بربهم لا يشركون * والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون * أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون". ص _232

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت