فهرس الكتاب
الطعن في الصحابة - رضي الله عنهم - ونتائجه الضارة
بعد أن عرفنا في الفصول السابقة عدالة الصحابة - رضي الله عنهم - وأنها ثابتة عقلًا ونقلًا, وعرفنا مكانتهم عند الفرق الإسلامية البارزة, ووقفنا على أسباب اختلافاتهم وأنواعها, رأينا أن نعقد هذا الفصل للنظر في نتائج الطعن فيهم وبيان أن الطعن فيهم لا يقف عند حدودهم بل يتجاوز إلى أساسيات الدين, إذ ترى بعض الفرق الإسلامية أن الطعن في الصحابة - رضي الله عنهم - مسألة سهلة لا يجب على المسلمين أن يعيروا لها بالًا, وترى أنها ربما كانت من المسائل التي يثابون عليها إذا هم خاضوا فيها عن اجتهاد واعتقاد ويرون أن هذه المسألة لا توجد تصادمًا بينهم وبين عامة المسلمين الذين يكنون للصحابة كل إكبار واحترام. ومن هؤلاء محمد حسين كاشف الغطاء الذي دعا المسلمين إلى نبذ خلافات الفرقة ولم الشمل وتناسي مثل هذا الأمر البسيط (يعني سب الصحابة - رضي الله عنهم -) فقال: (أما أولًا: فهذا ليس رأي جميع الشيعة, وإنما هو أمر فردي من بعضهم [1] وربما لا يوافق الأكثرون عليه, ... وثانيًا: إن هذا على فرضه لا يكون موجبًا للكفر والخروج من الإسلام بل أقصى ما هناك أن يكون معصية, وما أكثر العصاة في الطائفتين, ... وثالثًا: قد لا يدخل هذا في المعصية أيضًا ولا يوجب فسقًا إن كان ناتجًا عن اعتقاد, وإن كان خطأَ فان من المتسالم عليه عند الجميع في باب الاجتهاد أن للمخطئ أجر وللمصيب أجرين) [2] .
وليس هذا رأيًا انفرد به محمد حسين كاشف الغطاء بل هو ما عليه جمهورهم إن لم أقل إنه من مستلزمات دينهم وأصوله الرئيسية.
وهكذا وبكل بساطة أصبح سب الصحابة - رضي الله عنهم - مثوبة يتقرب بها إلى الله - جل جلاله -. أنما رأيهم فيمن يسب عليًا - رضي الله عنه - والعياذ بالله من ذلك فهو عندهم ملحد كافر بالله العظيم فهم كما قال أحدهم: (ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا كما جعلت في قلوب المنافقين والملحدين فسبوا أول المؤمنين على متون المنابر علانية وجهرا وظلموا الذين أذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيرا ربنا إنك رؤوف رحيم) [3] .
ونحن إذ ننقل هذا الكلام لا نريد أن نهون من مسألة سب علي - رضي الله عنه - أبدًا ... إنما نريد أن نبين تناقضهم لأنهم يرون أن من سب عليًا فهو ملحد منافق في قلبه غل ومن سب سواه من الصحابة - رضي الله عنهم - فهو مأجور على اجتهاده, علمًا أن الجريمة واحدة, فالسباب حرام بكل صوره ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) [4] , ومن تجرد عن هواه, وأخلص قلبه لله, أدرك أن مسألة الطعن في الصحابة - رضي الله عنهم - مسألة كبيرة لها ما بعدها, وأنها تؤثر في إيمان المرء أيما تأثير, فماذا يبقى من إيمان رجل يدعي الإسلام إذا هو شك في نَقَلة الشريعة قرآنها وسنتها؟ ثم ما الذي يدعو المسلم إلى التحامل؟ وما الذي يجنيه من هذه التجارة؟! أهو الغيرة على أهل البيت والانتصاف لهم؟! أم هو الدفاع عن بيضة الدين؟! ولم أر في حياتي مظلومًا كف يده ولسانه ثم يأتي غيره لينتصف من ظالميه بعد أن تنازل صاحب الحق عن حقه, ولم أر دينًا تحمي حياضه بالشتم والسباب!.
لهذا فإن الطعن في الصحابة - رضي الله عنهم - له نتائج خطيرة ومساوئ كثيرة يمكن أن نجملها فيما يلي:
أولًا: الطعن في صحة نقل القرآن
لقد أنزل الله سبحانه وتعالى القرآن الكريم على محمد - صلى الله عليه وسلم - النبي الأمي وأمره بتبليغه للناس ولكي تكون المعجزة أكبر كانت البيئة التي عاش فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيئة أمية.
وتلقى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا القرآن عن طريق الوحي فكان يحفظ ما يلقيه إليه الروح الأمين في قلبه, ثم يبلغ ما تلقاه - صلى الله عليه وسلم - إلى الصحابة - رضي الله عنهم - فمنهم من كان يكتب ذلك ومنهم من كان يكتفي بالسماع , وهكذا استمرت الحال إلى أن اكتمل نزول القرآن وقبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والقران مكتوب في الألواح [5] والأكتاف [6]
(1) راجع الفصل الخامس الخاص بمكانة الصحابة - رضي الله عنهم - عند الإمامية من هذه الرسالة.
(2) أصل الشيعة وأصولها, محمد حسين كاشف الغطاء: 13.
(3) المعارف الإسلامية, محمد علي الزهيري: 311.
(4) صحيح مسلم/كتاب الإيمان: 64.
(5) الألواح: جمع لوح وغالبًا ما يكون الخشب
(6) الأكتاف: عظم الكتف من الحيوانات