الصفحة 151 من 159

والعسب [1] واللخاف [2] ومحفوظ في صدور الرجال كلًا أو بعضًا, إذ كان منهم من يحفظه كله ومنهم من يحفظ بعضه [3] , ثم دارت حروب الردة في عهد أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - فذهب فيها كثير من حفظة القرآن, فخشي عمر - رضي الله عنه - أن يضيع القرآن بموت هؤلاء الحفظة, وعرض الأمر على أبي بكر الصديق رضي الله عنهما فتردد في أول الأمر ولم يزل به حتى شرح الله صدره للذي شرح له صدر عمر وعلم أن فيه خيرًا كثيرًا, وأسندت هذه المهمة العظيمة إلى الصحابي الجليل زيد بن ثابت - رضي الله عنه - , ويحدثنا زيد - رضي الله عنه - عن هذا الأمر فيقول: (قال أبو بكر: إنك رجل شاب, عاقل لا نتهمك, وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتتبع القرآن واجمعه, قال زيد: فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن ... فقمت فتتبعت القرآن, أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال) [4] . فقام زيد بهذه المهمة خير قيام بما أوتي من عزيمة وصبر وبما لقي من عون من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

فإذا كان الصحابة - رضي الله عنهم - مطعونًا فيهم كما يروي البعض فكيف نطمئن إلى أن ما نقرأه من القرآن هو عين ما نزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - , إن المرء لا يستطيع إلا أن يشك في خبر من هو مطعون فيه, إن لم يردّه جملة وتفصيلًا.

والقران الكريم نفسه يحثنا على هذا المنهج القويم فيقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [5] .

فيجب التأكد من خبر الفاسق, وكيف التأكد من خبر جميع رواته مطعون فيهم إلا قليلًا منهم, وليس لنا طريق لنقله سواهم, وعلى هذا يجب رد خبرهم جملة

(1) العسب: جريد النخل.

(2) اللخاف: هي الحجارة الرقيقة العريضة.

(3) البرهان في علوم القرآن, الزركشي: 1/ 233.

(4) صحيح البخاري/ كتاب التفسير: 6/ 89 - 90.

(5) الحجر: 6

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت