فهرس الكتاب
وتفصيلًا وإهمال ما جاء به من حكم وأحكام مهما كان شأنها في الدين وموقعها من الشريعة.
قد يقول قائل اننا لا نطعن في جميع الصحابة - رضي الله عنهم - , وإنما نطعن في بعضهم, فلا يلزم من كلامنا الطعن في صحة نقل القرآن. أقول: هذا كلام باطل, لأن القرآن نقل عن الصحابة - رضي الله عنهم - بمجموعهم لا عن أشخاص معينين منهم, فقد يكون من وقع عليه الطعن وافر الحظ في عملية جمع القرآن وتدوينه, أو ممن كان يكتب الوحي بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ثانيًا: الطعن في السنة المطهرة
إذن فالقران منقول عن عموم الصحابة - رضي الله عنهم - بغض النظر عن كونهم معدلين من قبلكم ايها الطاعنون أغير معدلين, وفي هذه الحالة يكون القرآن الكريم مشكوكًا فيه, فيحتمل أن يكون صحيحًا ويحتمل أن يكون غير ذلك , وهذا الشك ليس بأهون من القطع في عدم صحته.
يقول الشيخ محمد أبو زهرة: (ومن أنكر الاحتجاج بالسنة فلا يمكن أن يكون من المسلمين, لأن السنة تبليغ النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي المفسرة للقرآن الكريم وهي بابه النوراني الذي ندخل منه, من فصلها عن القرآن فقد فصل القرآن عن نبيه) [1] .
وقد أمرنا تعالى بالعمل بها فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [2] وقال سبحانه: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [3] وقال أيضًا: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [4] .
ويقول الدكتور خليل إبراهيم السامرائي: (والسنة مع القرآن على جهتين: الأولى: بيان وتفسير ما جاء في القرآن, ففي القرآن آيات مجملة, أو مطلقة أو عامة فالسنة هي التي بينت المراد منها بتفصيل المجمل, وتقييد المطلق, وتخصيص العام ... والثانية: إضافة أحكام جديدة لم يرد بها نص من القرآن, فقد حرمت السنة لبس الحرير والذهب على الرجال, وحرمت لحم الحمار الأهلية وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطيور) [5] .
فإذا كان للسنة هذه المنزلة فكيف يسوغ لنا أن نطعن في نقلها ونحن نعلن أن الطعن فيهم (أي الصحابة) لا يبقى معه ذكر للسنة المشرفة, فهم وحدهم الذين تلقوها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم وحدهم الشهود عليها, فإذا رفضناهم فإلى مَن نيمم وجوهنا؟! وعلى من نعتمد في معرفة هدي نبينا - صلى الله عليه وسلم -؟
وفي أمثال هؤلاء يقول الشيخ محمد أبو زهرة: (إن هؤلاء الذين يسمحون لأنفسهم بالنيل من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما يريدون أن يهدموا السنة ويكذبوا على الأمة) [6] .
وينقل ابن حجر عن الخطيب البغدادي قول أبي زرعة: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فأعلم أنه زنديق وذلك أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - حق والقرآن حق وما جاء به حق وإنما أدى إلينا ذلك كله الصحابة وهؤلاء الزنادقة يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى وهم زنادقة) [7] .
وحينما سأل هارون الرشيد أحد الزنادقة قبل أن يضرب عنقه: لماذا كان الصحابة - رضي الله عنهم - أول ما تتجهون إلى تشويه صورتهم؟ أجابه قائلًا: لأننا إذا تمكنا من الطعن فيهم نكون قد أبطلنا نقلة الشريعة, فإذا بطل الناقل أوشك المنقول أن يبطل [8] .
(1) تاريخ المذاهب الإسلامية, محمد أو زهرة: 284.
(2) النساء: 59.
(3) الحشر: 7.
(4) النساء: 80.
(5) دراسات في الفكر العربي, خليل ابراهيم السامرائي: 132 - 133.
(6) الإمام جعفر الصادق, محمد أو زهرة: 63.
(7) الإصابة في تمييز الصحابة , ابن حجر: 1/ 10.
(8) تاريخ بغداد, الخطيب البغدادي: 4/ 308.