الصفحة 47 من 159

وقد بلغ من تمسك الصحابة - رضي الله عنهم - بالنسبة النبوية أنهم كانوا ينكرون أشد الإنكار على من لا يعمل بها وإن كانوا آباءهم أو أبناءهم أو عشيرتهم. ولا شك في ذلك فهم الذين فارقوا المال والولد في سبيل الدين.

? من ذلك ما روي عن عبدالله بن مغفل أنه كان جالسًا والى جنبه أبن اخ له فخذف فنهاه وقال ان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عنها وقال إنها لا تصيد صيدًا ولا تنكيء عدوًا وإنها تكسر السن وتفقأ العين. قال فعاد ابن اخيه يخذف. فقال: أحدثك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عنها ثم عدت تخذف لا أكلمك أبدًا) [1] .

? وروى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: أتخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - خاتمًا من ذهب فاتخذ الناس خواتيم من ذهب. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - إني اتخذت خاتمًا من ذهب, فنبذه فقال: إني لن ألبسه أبدأ. فنبذ الناس خواتيمهم [2] .

? روى ابن عبدالبر عن عبدالله بن رواحة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: اجلسوا, فجلس في الطريق فمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ما شأنك؟ فقال سمعتك تقول: أجلسوا, فجلست فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم: زادك الله طاعة [3] .

بل إن بعض الصحابة - رضي الله عنهم - أو من كان يعيش معهم من المخضرمين ممن لا يذكرهم التاريخ لأنهم لم يكونوا يطلبون الذكر والمباهاة في الدنيا من وراء إعمالهم - أقول أن منهم من كان على درجة كبيرة من التمسك بهدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى شهد لهم كبار الصحابة - رضي الله عنهم - في ذلك. فقد ذكر الذهبي في ترجمته لعمرو بن الأسود أن عمر بن الخطاب قال في حقه: من أحب أن ينظر إلى هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلينظر إلى هدي عمرو بن الأسود [4] فمن يعرف عمرًا هذا في التاريخ مع أنه كان على هذه الدرجة من السلوك الحسن, أن عدم شهرته تدل على أن المجتمع حينذاك كان بمجموعه على مثل هذه الدرجة الرفيعة فلو كان سلوكه فريدًا بين أقرانه لكان من المشهورين منهم.

(1) سنن ابن ماجه: 1/ 8.

(2) البخاري: 4/ 35.

(3) جامع بيان العلم وفضله, ابن عبدالبر: 24.

(4) تاريخ الإسلام, الذهبي: 2/ 308.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت