الصفحة 50 من 159

ويهجره, فيكون عمر هو الذي يسعى إلى استرضائه ومصالحته. إلا ليت الناس يتعظون بما كان عليه السلف الصالح من الاعتدال في دينهم فلا يميلون فيه إلى تفريط أو إفراط بل يأخذ قدامة بالحد من غير تفريط في دينهم ولا يضيق صدرهم بتأويله الخاطئ ... ألا ليتنا نعرف ما كان لهذا الأثر فيما امتاز به عصرهم من الصراحة في الدين والصراحة في الرأي. وأن هذا وصل بهم إلى تلك القوة والعظمة, ووصل بهم إلى حد الكمال الذي قدر له [1] .

وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: كنا جلوسا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة, فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه قد علق نعليه بيده الشمال فلما كان الغد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل ذلك فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى فلما كان اليوم الثالث قال النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل مقالته أيضًا فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى فلما قام النبي - صلى الله عليه وسلم - تبعه عبدالله بن عمرو فقال: إني لاحيت أبي فأقسمت أني لا أدخل عليه ثلاثًا فان رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلت. قال: نعم , قال أنس فكان عبدالله يحدث أنه بات معه تلك الثلاث الليالي فلم يره يقوم من الليل شيئًا غير أنه إذا تعارّ تقلب على فرشه ذكر الله عز وجل حتى صلاة الفجر, قال عبدالله: غير أني لم اسمعه يقول إلا خيرا فلما مضت الثلاث الليالي وكدت أحتقر عمله قلت: يا عبدالله لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجرة ولكني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لك ثلاث مرات يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة فطلعت أنت الثلاث المرات فأردت أن أوى إليك فانظر ما عملك فاقتدي بك فلم أرك كبير عمل فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: ما هو إلا ما رأيت فلما وليت دعاني فقال: ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشًا ولا أحسد أحدًا على خير أعطاه الله إياه. فقال عبدالله: هذه التي بلغت بك [2] .

بهذه القلوب الصافية وبهذه العزائم الصادقة في البحث عن وسائل الفلاح استحق الصحابة - رضي الله عنهم - تلك المنزلة الرفيعة.

(1) القضايا الكبرى في افسلام, د. عبدالمتعال: 88 وكان عمر - رضي الله عنه - قد جلده حينما شرب الخمر متأولًا.

(2) تهذيب الترغيب والترهيب, المنذري: 3/ 285 رقم الحديث (2780) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت