الصفحة 56 من 159

يستخرج منها تاريخنا بعد النقد والتمحيص, فـ (دراسة التاريخ لا تكون صحيحة إلا بتعليل الحوادث) [1] .

وقد بلغت بعض الروايات حدًا فظيعًا من الاستهتار بالقيم وتصوير المجتمع الإسلامي الأول بأبشع ما يتصوره العقل, فمثلًا: -

يقول ابن الأثير:(قال عمر بن سبيئة [2] حج يزيد في حياة أبيه فلما بلغ المدينة جلس على شراب له فاستأذن عليه ابن عباس والحسين فقال: إن ابن عباس إذا وجد ريح الشراب عرفه, فحجبه وأذن للحسين فلما دخل وجد رائحة الشراب مع الطيب فقال: لله در طيبك ما أطيبه فما هذا؟ قال هو طيب يصنع بالشام ثم دعا بالقدح فشربه ثم دعا بآخر فقال: اسق أبا عبدالله , فقال الحسين: عليك شرابك أيها المرء لا عين عليك مني فقال يزيد:

إلا يا صاح للعجب ... دعوتك ذا ولم تجب

إلى الفتيات والشهوا ... ت والصهباء والطرب

وباطية مكللة ... عليها سادة العرب

وفيهن التي تبلت ... فؤادك ثم لم تتب

فنهض الحسين وقال: بل فؤادك يا ابن معاوية تبلت) [3] .

إن مثل هذه النصوص لا تسيء إلى يزيد والحسين فحسب بل تسيء إلى المجتمع الإسلامي آنذاك بعمومه, لأن مجاهرة يزيد بشرب الخمر في موسم الحج وفي مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبحضرة الحسين - رضي الله عنه - استهتار فظيع بأمور الدين وتعاليمه يضعنا بين أمرين لا ثالث لهما, أما أن نصدق هذه الرواية ونؤمن بمقتضاها وهو أنه لم يكن لتعاليم الدين سلطان على النفوس ولم يكن هناك مجتمع يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ولم يكن هذا القرن ثاني خير القرون التي أخبر عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وأما أن نحكم بأن هذه الرواية موضوعة ابتدعها أناس يتطلعون إلى يوم يلعن فيه آخر هذه الأمة أولها, وتزول تلك الروابط الإيمانية التي تشد بنيان الأمة وتقوي وحدتها, ومما لا مجال للشك فيه أن من يرى في الدولة الإسلامية في عهدها الأموي

(1) تاريخ صدر الإسلام والدولة الأموية, عمر فروخ: 6.

(2) لم أعثر لعمر بن سبيئة على ترجمة في كتب الرجال التي رأيتها.

(3) الكامل في التاريخ, ابن الأثير الجزري: 3/ 317 - 318.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت