الصفحة 66 من 159

رابعًا: لما كانت النصوص القرآنية والنصوص النبوية محدودة في حين إن مفردات الحياة غير متناهية فان ذلك اوجب على فقهاء الصحابة - رضي الله عنهم - أن يعملوا رأيهم في استنباط الأحكام الشرعية لهذه النصوص المتجددة. وكان لابد لهم من أن يختلفوا تبعا لقدراتهم العقلية ومواهبهم في استشفاف الأمور وحملها على مقتضى النصوص التشريعية الثابتة.

هذه هي جملة الأسباب التي أدت إلى اختلاف الصحابة - رضي الله عنهم - في الأمور الفقهية.

أما الأسباب التي أدت إلى الاختلافات السياسية بين الصحابة - رضي الله عنهم - فيمكن ردها إلى سببين:

سبب قريب: وهو محاولة معرفتهم من هو أحق بالخلافة.

وكانت بداية هذا الاختلاف عقب وفاة الرسول , فقد ظن الأنصار أنهم أولى بهذا الأمر من غيرهم, فقالوا نحن الذين آوينا ونصرنا وبنا اعز الله دينه فلا يكون هذا الأمر إلا فينا, وقال المهاجرون نحن السابقون الأولون أسلمنا ونحن قلة وتركنا المال والولد في سبيل نصرة الإسلام فنحن أحق به من غيرنا, ثم اختلف المهاجرون على أنفسهم فقال أغلبهم سوى بني هاشم إن الخلافة في قريش دون أن يخصوا بيتًا دون آخر (لأنها قبيلة النبي - صلى الله عليه وسلم - ولأنها أفضل القبائل ومن السهل أن يخضع لها جميع العرب إذ لو انتخب الخليفة من قبيلة أخرى لقامت القبائل ينافس بعضها بعضًا) [1] .

بينما ذهب بنو هاشم إلى أن الخلافة لا تكون إلا فيهم لقرابتهم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

السبب الثاني وهو السبب البعيد, وهو:

صحوة العصبية العربية, فقد جاء الإسلام والعرب تطحنهم حروب دامية تغذيها عصبية عمياء, فأباد الله هذه الحروب بأن أطفأ داعي العصبية وجعلها من عبية [2] الجاهلية ودعاهم إلى التمسك بشيء جديد لا يمت إليها بصلة على أساسه

(1) النظم الإسلامية, حسن ابراهيم حسن: 24.

(2) عبية الجاهلية: بضم العين وتشديد الباء والياء: تكبرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت